«صخرة سوداء» تجثم على مستقبل لبنان الاقتصادي

0

الأسوأ في أزمة الديون اللبنانية لم يأتِ بعد. فخلال الانهيار الاقتصادي وتقاعس السلطات عن اتخاذ الإجراءات الحمائية اللازمة، انتقلت ملكية سندات الدين من أيد لبنانية إلى أيدي شركات إدارة الاستثمار وصناديق التحوّط الأجنبية بنسبة تصل إلى 40% من السندات التي كانت تملكها المصارف اللبنانية على أقل تقدير.

ورغم التعتيم الشديد والضبابية حول ملكية السندات، إلا أن ما ظهر في الإعلام يدل على أن شركة «بلاك روك» Blackrock هي أكبر مالك أجنبي للسندات. الحذر من هذه الشركة واجب خصوصاً أن مديرها للأسواق الناشئة والصناديق السيادية عامر بساط صرح بأن إعادة رسملة المصارف وتأميمها ممكن عبر إصدار سندات طويلة الأمد مؤمّنة بعائدات الغاز والنفط المستقبلية. تصريح الرجل – العضو في منصة «كلنا إرادة» التي تدّعي أنها تريد مستقبلاً لا فساد فيه للبنانيين، لا يتطرق إلى محاسبة المصارف، بل يريد إنقاذها عن طريق الثروة الوطنية الأخيرة، ويقترح إعادة السياسات نفسها ورهن آخر أمل اقتصادي للبنانيين لمزيد من الألاعيب المالية.

السياسة والمال

يعدّ مؤسس «بلاك روك»، لاري فينك، من أهم المؤثرين في الاقتصاد والسياسة، وتعتبر رسالته السنوية إلى المساهمين خريطة طريق استراتيجية يتبعها زبائن الشركة من مستثمرين ورؤساء شركات وسياسيين كبار وحكومات دول. فينك المقرب من الديموقراطيين، والذي كان يطمح إلى تولّي منصب وزير الخزانة في حال ربحت هيلاري كلينتون انتخابات العام 2016، من أكبر دعاة العولمة و«رأسمالية أصحاب المصلحة»، وهو الاسم الذي يطلقه على مؤشر (ESG البيئة والمجتمع والحكومة) الذي يقول إنه يجب أن يحكم القرارات الاستثمارية. طبعاً استثمارات الشركة تتناقض مع هذا المؤشر، إلا أنه مفيد لمهاجمة الخصوم الاقتصاديين.

على عكس كثيرين من أمثاله من الرياديين في عالم إدارة الاستثمارات، لم يأتِ فينك من عالم الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل درس أساساً السياسة، ومنها دخل إلى عالم الأعمال. منذ بداية عمله كموظف، كان من ذوي العلاقات العميقة في واشنطن، وتتبع الشركة سياسة الباب الدوار مع الحكومات الأميركية، خصوصاً الديموقراطية منها. والمناصب لا تقتصر على الاقتصاد بل أيضاً تصل إلى الأمن القومي الأميركي. تداخل السياسة بالاقتصاد يدفع البعض إلى اتهام فينك بتشكيل حكومة ظل في أميركا، ويدفع آخرين إلى وصف «بلاك روك» بأنها أكبر «بنك ظل» في العالم، إذ يمتد تأثيرها على حكومات دول عدة منها فرنسا ونيوزيلندا والسعودية وألمانيا.

استثنائية «بلاك روك»

هناك عدد من عناصر القوة تتميز بها «بلاك روك» عن نظيراتها، الأمر الذي يجب أن يدعو اللبنانيين للقلق منها أكثر من غيرها من الشركات الأجنبية الحاملة للسندات. ومن هذه العناصر:

– حجم وانتشار برنامج حساب المخاطر الخاص بالشركة والمسمى بـ Aladdin، وهو يُستخدم في 65 دولة ويحلّل 6.5 مليون محفظة استثمارية، ويراقب 430 ألف تداول يومياً، بحسب التقرير السنوي للشركة عام 2019.
– حجم المعلومات الذي يمر عبر البرنامج وحده هو أفضلية معلوماتية استثمارية ضخمة للشركة. وبحسب مجلة «ذا إيكونوميست»، من غير المعلوم من يحق له الaاطلاع على حجم الداتا الهائل هذا، عدا عن كون عدد المستخدمين (مستثمرين أفراد، شركات، صناديق تحوط، مؤسسات حكومية، صناديق تقاعد) الذين يتبعون نصيحة وتحليلات البرنامج مهول، مما يضخّم من قدرة «بلاك روك» على تحريك الأسواق العالمية وتوجيهها وإدارتها. فوق كل ذلك، استحوذت الشركة على برنامج تحليل مخاطر آخر اسمه Efront يفسح لها سيطرة وأسواقاً أكثر من ذي قبل.
– الاستثمار الدائري: تملك «بلاك روك» أسهماً في شركات تستثمر في «بلاك روك» نفسها، مثل بنك دويتشه الألماني، ما يزيد من تأثير الشركة التي تلعب دور المستثمر والاستثمار مع عدد من شركائها.

– العلاقات السياسية: خصوم الشركة يتهمونها بأن علاقاتها السياسية تعطيها أفضلية في اتخاذ القرارات الاستثمارية بناء على المعلومات التي توفرها هذه العلاقات والسياسات التي تتمكن من تمريرها عبرها.

– قوة التصرف في أموال حزم الإنقاذ: منحت الشركة عدداً من أموال حزم الإنقاذ خلال الأزمات، أهمها أزمة 2008 وأزمة «كوفيد»، وتحوم الشكوك حول كيفية إدارتها لحزم الإنقاذ الضخمة هذه، إذ يتردّد أنها استخدمتها لإنقاذ استثماراتها، علماً أن حجم الشركة قفز بعد كل حزمة إنقاذ بشكل كبير.

– حجم الشركة ووزنها في السوق: حجم الشركة بحد ذاته محرك أساسي في الأسواق وهي اليوم تقارب الـ 10 تريليونات دولار وتعد أكبر شركة في العالم على الإطلاق.

وهناك عوامل قوة إضافية لـ«بلاك روك» تتعلق بقطاع إدارة المحافظ ككل. فهو، على عكس المصارف، أقل تشريعاً وانضباطاً وتلفّه الضبابية والغموض، ما يعطيه حرية أكبر في التحرك والاستثمار. من الجدير بالذكر أن الشركة استولت في مراحل عدة على الأقسام الاستثمارية لعدد من المصارف أهمها «ميريل لينش». كما تعد الشركة من أعداء القطاع المصرفي التقليدي كما ورد في تقرير لـ The Intercept اتهم حملة هيلاري كلينتون بالهجوم على القطاع المصرفي لمصلحة الجيل المالي الجديد من شركات إدارة الاستثمارات الأكثر عدائية وضبابية وعلى رأسها «بلاك روك». وهناك عامل قوة آخر مرتبط بالقطاع ككل، هو الابتكارات المالية الأكثر مرونة والأقل كلفة التي تعرضها «بلاك روك» على المستثمرين مثل ishares، وهي خدمة صندوق تجارة تبادلي.

صناديق التقاعد، جبهة الاستثمار الأخيرة

عانت الدول اللاتينية من وحشية الاقتصاد الليبرالي الذي فرضته أميركا عليها بقوة الانقلابات العسكرية، وبحلول التسعينيات تمت خصخصة غالبية موارد هذه الدول لصالح الشركات الأجنبية، وفقدت السيادة على عملاتها ما قضى على الجزء الأكبر من مدخرات مواطنيها، ودمرت صناعاتها المحلية لصالح الشركات المتعددة الجنسيات. ترافق هذا مع تآكل لمستويات الدخل وارتفاع في كلفة المعيشة. هذا كله لم يكف الناهبين الدوليين الذين لم يقاوموا إغراء الانقضاض على آخر ملاذ وشبكة أمان للمواطن الجنوب أميركي المسكين، فبدأت من تشيلي بتحويل صناديق التقاعد إلى إدارات استثمارية خاصة، الأمر الذي انتشر في مختلف دول القارة. وهذه الإدارات تعمل على الاستثمار في شركات مثل «بلاك روك» وتوظفها للاستشارة الاستثمارية، ما أدى إلى تضخم أرباح هذه الشركات في وقت تتآكل تعويضات التقاعد. وفوق كل هذا، يجد موظفون ببدلات منمقة ومكاتب مكيفة في أميركا أنفسهم مخولين بالتشكيك بحق الموظف الجنوب أميركي في التقاعد في عقده السادس، وأن عليه العمل أكثر لينعم بتعويضه التقاعدي الذي ادخره، بينما يقطفون هم ثمار شقائه من دون جهد يذكر. هذه الإجراءات لا تقتصر على القارة الجنوبية، إذ إن الوصفة نفسها يطبقها إيمانويل ماكرون في فرنسا منذ ولايته الأولى، الأمر الذي يعزوه البعض إلى علاقته الخاصة بلاري فينك.

مستقبل لبنان الاقتصادي تحت ثقل السندات

نظراً إلى حجم السندات اللبنانية التي تمتلكها شركة بلاك روك، وحجم الشركة نفسها وقوتها في السوق، ونفوذها السياسي العالمي والإقليمي وتاريخها، على اللبنانيين القلق مما ستؤول إليه مفاوضات كتلة حملة السندات اللبنانية الأجانب، الذين وكّلوا شركة «وايت أند كيس» الأميركية لتمثيلهم.

الإشكالية الكبرى في قضية السندات أنها في الأساس طرحت بمعدلات فائدة مرتفعة وصلت إلى 14 في المئة عام 2019، ما يجعل عبء سدادها ثقيلاً وظالماً على الشعب اللبناني. أما بالنسبة لحملة السندات على المقلب الآخر، فهم لن يستطيعوا فرض السداد لعدم قدرتهم على توكيل شركات محاماة كبرى، وعليه يسارعون للتخلص من سنداتهم الأمر الذي يخفض من قيمتها أكثر، إلى أن وصلت عشية الانتخابات النيابية الأخيرة إلى 10% من قيمتها الاسمية بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ Bloomberg. علماً أن شركات إدارة الاستثمارات وصناديق التحوط لا تستثمر في السندات إلا في هذه المرحلة، وتطالب الدولة بالقيمة الكاملة للسندات التي اشترتها بأعشار ثمنها الحقيقي مع الفائدة المتراكمة، والدولة بدورها تضطر لحلول بمجملها تحمّل للمواطن في نهاية الأمر من خصخصة وتقشف وديون إضافية.

ومما يثير القلق أيضاً أن للشركة علاقات في الوسط السياسي اللبناني، منها أن عامر بساط تربطه علاقة قرابة برئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة الذي يسرّ بساط لمعارفه وأصدقائه، منذ سنوات، بأنه ينظر إليه كقدوة، وهو عمل تحت إدارة نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية سعادة الشامي في صندوق البنك الدولي، وأشاد أخيراً بقيادة مديره السابق كنائب لرئيس الحكومة. خلال عمل بساط في صندوق النقد الدولي، ساهم في عمليات خصخصة الغاز والنفط في كل من أوكرانيا وروسيا، وشمل نطاق عمله مصر في نهاية حقبة التسعينيات، حيث انتهى المطاف بخصخصة حقول الغاز المصري لصالح شركات أجنبية، باعته إحداها للعدو الصهيوني بسعر أقل من سعر التكلفة. خلال السنتين الأخيرتين بدأ الاحتفاء بالدكتور بساط في منصات عديدة كخبير اقتصادي حول مفاوضات الحكومة اللبنانية مع صندوق النقد الدولي، وفي احدى المحاضرات التي أقيمت عبر الانترنت من قناة الجامعة الأميركية في بيروت، صرح بساط بأن عملية المفاوضات هذه وبرنامج الصندوق هو عملية سياسية بالضرورة، وأن مخرجاتها من الرابحين والخاسرين ستغير وجه لبنان السياسي الذي نعرفه منذ 100 عام وتحقق التغيير الذي «نطمح اليه جميعاً». وقد أشاد الرئيس نجيب ميقاتي ببساط في لقاء تلفزيوني أخيراً، وقال إنه يستشيره حتى في ساعات الفجر حول خطة التعافي المالي، علماً أن إحدى فروع الشركة متخصص في نصح الحكومات المتعثرة. فهل تكون هذه الاستشارات مدخلاً آخر للشركة للتحكم بمستقبل لبنان؟

«White and Case» محامو الشيطان

أعلن في نهاية أيلول الماضي توكيل مجموعة من حملة سندات اليوروبوندز اللبنانية من شركات ومؤسسات أجنبية كبرى شركة «وايت أند كيس» White and case للمحاماة لتمثيلها. وتضم هذه المجموعة كلاً من «بلاك روك» و«آشمور» البريطانية (تحوم الشكوك حول شرائها لسندات آذار 2020 ضمن عملية تلاعب) و«أموندي» الفرنسية، إلى جانب آخرين يحملون سندات بقيمة اسمية تقدر بـ 6 مليارات دولار. وكانت شركة المحاماة نشرت ورقة إيجابية النبرة حول العقوبات الأوروبية ضد لبنان كإجراء «يحارب الفساد». وبعد بدء المفاوضات مع الشركة، أصدر وزير المالية يوسف خليل تصريحاً حول المسألة لا يبشر بالخير، إذ رحب بمشاركة مجموعة حملة السندات في عملية إعادة هيكلة الديون حفاظاً على مصالحها.

حاملو السندات ينتظرون وقوع الفريسة

لطالما مثّل حاملو السندات كابوساً لأي دولة مدينة، لكن الأجانب منهم هم الأكثر انتهازية، لا تدعى صناديق التحوط بـ«صناديق النسور» من فراغ. فهي تشبه هذه الطيور الجارحة في الانقضاض على جثث فرائسها الاقتصادية من دون رحمة وتعتاش على الرمم بشكل خاص. في السابق، كان تسريب السندات إلى الخارج يتم بشكل أكثر فضائحية، كما عندما أعطيت جنسيات فرنسية وبريطانية لحملة السندات المكسيكيين في القرن التاسع عشر، ليتحول هؤلاء إلى دائنين أجانب يجلبون الاحتلال لبلادهم. حملة السندات اليوم ليسوا أقل دموية، إلا أن تحويلهم إلى أجانب أصبح مسألة أكثر سلاسة وسهولة، خصوصاً في وجود حاكم مصرف وجمعية مصارف ولجنة رقابة على المصارف تحتفي وتكرّم بعضها بعضاً.

أما محامي الانتهازيين في حالة لبنان، فهو الشركة نفسها التي وكلتها مجموعة حملة السندات الأرجنتينية الأجانب. هذا البلد الذي لم يتوقف حملة السندات عن إعاقة نموه منذ عقود، فلم يكفهم محاصرته والعمل على مصادرة أملاكه في الخارج، بل قادوا حملة منظمة على كريستينا كيرنشر التي حاولت توطين الاستثمارات الأجنبية التي اعتادت نهب الثروات وترحيل أرباحها إلى الخارج في محاولة جدية لإنقاذ الاقتصاد الوطني. في هذه الحملة اتهم الفاسدون الرئيسة بالفساد، ولُفّقت لها العديد من التهم أغربها أنها «باعت النظام القضائي الأرجنتيني للإيرانيين!». ومن بعدها جاء المخلّص الرأسمالي الرئيس ماكري الذي أخضع البلاد لصندوق النقد مجدداً وبدّد ثروة النفط الجديد (الليثيوم) لصالح الشركات الأجنبية التي قدم لها كل الإعفاءات الممكنة، حارماً بلاده المفقرة من أي عائد يذكر من هذه الثروة المنقذة.

نبذة عن محامي الشيطان

اختيار «White and Case» لم يأتِ من فراغ، فهي ذات تاريخ وباع طويلة في مفاوضات إعادة الهيكلة يعود إلى عام 1975 مع أزمة ديون إندونيسيا. أما علاقتها بعالمي المال والسياسة فأقدم من ذلك بكثير. فالشركة التي تأسست عام 1901 في نيويورك كانت تعمل مع الجمعيات المصرفية من البداية، وفي الحرب العالمية الأولى لعبت دوراً مساعداً لبنك JP morgan لبيع معدات الحرب لكل من فرنسا وبريطانيا، كما عُيّن أحد مؤسسيها في مجلس الحرب من قبل الرئيس وودرو ويلسون. وفي عام 1952 أصبحت الشركة تمثل «أرامكو» قانونياً، وفي عام 1990 افتتحت مكاتب في كل من موسكو وبراغ ووارسو لتلعب دوراً استشارياً في عملية النهب الهائلة المسماة بالخصخصة التي طاولت دول الاتحاد السوفياتي السابق.

 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here