صيادو لبنان يطاردون المكاسب الضائعة من الاقتصاد الأزرق

يسعى قطاع الصيد البحري إلى مطاردة الفرص المنسية والمكاسب الضائعة من الاقتصاد الأزرق نتيجة مجموعة من التحديات، التي جعلت هذا المجال غير منتج على النحو الأمثل، في ظل تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية الداخلية، وتموقع البلد في بؤرة توتر إقليمي مستمرة لم يتمكن من الخروج منها.

بيروت- يجد صيادو الساحل اللبناني أنفسهم أمام تحدٍ مزدوج، وهو الحفاظ على رزقهم اليومي من البحر، وفي الوقت نفسه المساهمة في استغلال الإمكانات الكامنة للاقتصاد الأزرق الذي يمكن أن يشكل رافدًا للنمو المستدام.

ويعتمد آلاف اللبنانيين وأسرهم على القطاع كمصدر رئيسي للعيش، لكن نقص التخطيط المستدام والتلوث البحري وقلة الاستثمارات، أدت إلى ضياع فرص اقتصادية كبيرة كانت يمكن أن تحول الصيد إلى نشاط مستدام يدعم التنمية المحلية ويعزز الأمن الغذائي.

ويُعرف الاقتصاد الأزرق على أنه نموذج يسعى إلى تحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على النظم البيئية البحرية واستدامتها.

ومن أجل استعادة القطاع زخمه يسعى الصيادون والعاملون في تربية الأسماك إلى الرمي بثقلهم لتفكيك العقبات أمام أعمالهم خلال المؤتمر الوطني لمصايد الأسماك بعنوان “ليرجع النبض للبحر”، المقرّر عقده الاثنين المقبل.

واستباقا لذلك عقد اتحاد نقابات المزارعين (إنماء) الخميس اجتماعا لمناقشة واقع القطاع، في ظل ما يعانيه من إهمال مزمن وغياب شبه كامل للدعم الرسمي، ما يهدد سبل عيش الصيادين ويعرّض الثروة البحرية لمخاطر الاستنزاف والتلوّث.

وأكد المجتمعون، وعلى رأسهم جهاد بلوق رئيس الاتحاد ورئيس اللقاء الوطني للهيئات الزراعية خلال الاجتماع الذي عقد في ميناء الأوزاعي بالقرب من بيروت “أهمية أن يشكّل المؤتمر محطة أساسية لإطلاق مسار إنقاذي وجدّي لهذا القطاع.”

ومن بين المقترحات، التي سيتم طرحها تحديث القوانين البالية لمهنة الصيد البحري وتربية الأسماك وتطبيقها بصرامة، وأيضا شمول الصيادين ومزارعي الأسماك بالضمان الصحي والاجتماعي.

وإلى جانب ذلك الضغط على الحكومة من أجل زيادة دعم المحروقات والمستلزمات الأساسية للصيد، وتنظيم الأسواق، وتطوير برامج التدريب والصيد المستدام، بحسب بيان أوردته وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية

وشدّد المشاركون في الاجتماع على “ضرورة حماية البيئة البحرية، ووقف تصريف مياه الصرف الصحي والنفايات الصناعية في البحر والأنهر، وحماية مناطق تكاثر الأحياء البحرية، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، مع إشراك الصيادين في رصد التعديات البيئية”.

ويعكس الاهتمام المتزايد بالاقتصاد الأزرق الرغبة في ترسيخ التنويع بعيدًا عن الاعتماد التاريخي على قطاعات، مثل الخدمات والقطاع المصرفي، التي تضررت بشدة خلال السنوات الماضية جراء الانكماش الحاد الذي شهده البلد بسبب الأزمة المالية.

معلومات عن القطاع
9300 شخص عدد العاملين في الصيد البحري وتربية الأحياء المائية
50 نوع من الأسماك تحتويها سواحل لبنان الإقليمية
25 في المئة نسبة ما يغطيه الإنتاج من الطلب المحلي
15 ألف أسرة تستفيد بشكل مباشر من قطاع الصيد
14 مليون دولار متوسط الإيرادات السنوية
6 آلاف صياد مسجل يعملون عبر تعاونيّات ونقابات مختلفة
وأظهر تقرير للبنك الدولي أن الاقتصاد اللبناني انكمش بأكثر من 7 في المئة في عام 2024، ويشهد انكماشًا تراكمياً منذ 2019 يصل إلى نحو 40 في المئة، ما أدى إلى تراجع النشاط في العديد من القطاعات وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

ويؤكد الخبراء أن الصيد البحري يسهم بشكل كبير في تحفيز النشاط الاقتصادي في المناطق الساحلية، لاسيما في مدن مثل صور وصيدا وأنفة وغيرها، التي تعتمد بشكل كبير على الموارد البحرية وموروثها التاريخي والثقافي.

كما يمكن أن يساعد الاقتصاد الأزرق في تحسين الأمن الغذائي من خلال دعم الصيد المستدام وتربية الأحياء المائية، بشرط تنفيذ سياسات فعالة للصون البيئي وإدارة الموارد.

وبحسب بيانات تحليلية إقليمية تشمل لبنان، يُقدّر عدد العاملين في الصيد البحري وتربية الأحياء المائية بحوالي 9300 شخص. وهذا الرقم يشمل عمال الصيد التقليدي والأنشطة المرتبطة به، وهو تقدير من دراسات تشمل دول البحر المتوسط.

ووفق تقارير محلية وبيانات جانبية، هناك ما يقارب 6 آلاف صياد مسجل رسميًا في لبنان يعملون عبر تعاونيّات ونقابات مختلفة على طول الساحل، يعتمد العديد منهم على نشاط الصيد كمصدر أساسي للدخل.

وللإشارة فإن هذا الرقم لا يشمل جميع أفراد الأسرة المعتمدين اقتصاديًا على هذا النشاط، فكل صياد عادة يدعم أسرة تتراوح بين 3 و5 أفراد.

ويعني ذلك أن عدد الأسر المستفيدة مباشرة من قطاع الصيد قد يتجاوز 15 ألف أسرة، إذا احتُسب عدد أفراد الأسرة العاملة والمعيشة من دخل الصيد، وهو تقدير يعتمد على متوسط حجم الأسرة التقليدية في المناطق الساحلية.

ويمتلك لبنان ساحلًا بطول يزيد عن 220 كيلومترًا على البحر المتوسط، ما يمنحه موقعًا استراتيجيًا للاستثمار في القطاعات البحرية والساحلية، لكن هذه الإمكانات لم تُستغل بعد بشكل كامل بسبب عدد من القيود التنظيمية والبيئية والاقتصادية.

ورغم تميز لبنان بثروته السمكية الغنية، حيث تحوي سواحله أكثر من 50 نوعاً من الأسماك مع إيرادات سنوية تناهز نحو 14 مليون دولار، إلّا أنّ هناك تحدّيات عدّة تواجه قطاع صيد الأسماك.

وبغض النظر عن التوتر الذي يتفجر بين الفينة والأخرى على الحدود مع إسرائيل، يعتبر تلوث المياه وتقلص الموائل البحرية وازدياد الصيد الجائر، عوامل أثرت سلباً على العائدات التي تعتبر مصدرًا مهمًا لكثير من الأسر في لبنان.

كما تتسع مشاكلُ القطاع، حيث يعود البعض منها إلى سوء إدارة المرافق العامة للدولة وعدم معالجة الملوثات على الشّاطئ اللبنانيّ، وبعض أساليب الصيد

ولكن الكثير من الخبراء والعاملبن في القطاع يعتقدون أن المشكلة الرئيسيّة تكمنُ في عدم توفر البنية التحتية لموانئ صيد السّمك، التي إن وُجِدت فتؤمّن عمل الصيادين على مدار السنة.

وتشير تقارير إعلامية وتحليلات اقتصادية إلى أن إنتاج البلاد سنويا يتراوح بين 5 آلاف و6 آلاف طن من الأسماك من الصيد البحري المحلي.

وتُغطّي هذه الكمية نحو 25 في المئة فقط من الاستهلاك المحلي للأسماك، بينما تعتمد السلطات على تغطية الجزء الأكبر من خلال عمليات الاستيراد بنسبة 75 في المئة.

ورصدت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن لبنان استورد في 2022، أكثر من 11 ألف طن من الأسماك والقشريّات والرخويّات وغيرها، بقيمة 50.4 مليون دولار، بينما صدر 1.6 في المئة فقط من حجم الاستيراد، أي 178 طن مقابل 1.3 مليون دولار.

ووفقا لتقريرها بشأن إحصاءات مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في عام 2019، استورد البلد خلال 2017، أكثر من 55.48 ألف طن، وصدّر ما يزيد قليلاً عن واحد في المئة من حجم الاستيراد، أي 589 طن.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةلبنان أمام اختبار العلاقة مع إيران
المقالة القادمةفي عصر الذكاء الاصطناعي… لماذا نطلب العلم؟