عقلاء يطالبون بالإصلاح والأزمة تفلت من عقالها

0

يستمر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في محاولة خلق كوة في جدار الازمة السميك. لقاءات وحوارات مع شخصيات زمنية وروحية وصلت أمس إلى سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى. فكان اللقاء بمثابة «خريطة طريق» على حد توصيف رئيس المجلس شارل عربيد، تحتاج إلى تعبيد بـ»زفت» الاتفاق السياسي وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية.

«إستفزّت» كلمة شيخ العقل سامي أبي المنى الافكار الخلاقة عند ممثلي القطاعات الاقتصادية المختلفة المكونة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وأخرجت ما في جعبتهم من مناشدات للعقلاء من أجل الضغط على صانعي القرار لعقلنة تصرفاتهم قبل فوات الأوان. فـ»لبنان في غرفة العناية الفائقة»، على حد تعبير الشيخ أبي المنى. وذلك بعدما فتكت به أمراض تراجع إحتياطيات المصرف المركزي، وإنهيار العملة الوطنية، وضآلة فرص العمل، وانخفاض الودائع العربية والدولية، وتقلص تحويلات المغتربين، وعدم ايفاء المانحين الدوليين بالتزاماتهم، والانفاق على قطاعات كان يجب أن ترفد الخزينة بالاموال مثل الكهرباء. فمرض البلد، وأصبح بحاجة إلى علاج. وبدلاً من إعطائه دواء الاصلاحات الناجع، يستمر حقنه بالمسكنات. حيث أصبحت ممارسة السياسة في وادٍ والمطلوب في وادٍ آخر.

تعريض السلم الاجتماعي للخطر

الشيخ سامي أبي المنى الذي ذكّر بتقرير البنك الدولي «المرصد الاقتصادي للبنان لخريف 2021، الانكار المتعمد»، ليدلل على واقع انهيار الخدمات العامة في ظل استمرار الخلافات السياسية ونزيف الرأسمال البشري، قال إن الأزمة «تعرّض الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلد للخطر على المدى الطويل، خصوصاً وانها تحمل الفئات الفقيرة العبء الاكبر. وهي تلك الفئات التي لم يكن النظام القائم يلبي حاجاتها قبل الانهيار. وهذه الازمات تحدث في بيئة جيوسياسية تتسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار. الأمر الذي يزيد من الحاجة إلى معالجة هذه الأزمة الحادة». وبحسب أبي المنى يجب «الشروع في إصلاح شامل ومنظم وسريع في معظم القطاعات ولا سيما في قطاع الكهرباء، كخطوة بالغة الاهمية لمعالجة التحديات الطويلة المدى والمعقدة في هذا القطاع الذي يدخل في صميم المسار الاجتماعي والاقتصادي في لبنان. كما يجب تكثيف الجهود لتقديم مساعدات الحماية الاجتماعية للفقراء والأسر الأكثر عرضة للمخاطر، لانه لا يمكن تأجيل هذه الحماية إلى حين استقرار الوضع».

خريطة طريق

رئيس «المجلس» شارل عربيد الذي وصف كلام الشيخ أبي المنى بانه «خريطة طريق عصرية هادفة وانسانية ستبقى وثيقة في المجلس»، شدد على أنه «إذا كان هناك من نية للإصلاح فهناك طبعاً إمكانية». فاللبنانيون يتطلعون اليوم، برأي عربيد، «إلى إعادة تكوين سلطة جديدة ورئيس جديد لوضع رؤية للخروج من الازمة واستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها من كافة أبناء المجتمع اللبناني المقيمين والمغتربين. كما يضعون في أول اهتماماتهم إلى جانب وقف النزيف الاقتصادي والبشري، الحفاظ على المجتمع التعددي الذي لا تقوى فيه جماعة على أخرى. ويتطلعون إلى إدارة سياسية أكثر مسؤولية، تساهم في تخفيف همومهم اليومية وتحاكي تطلعاتهم لبناء مستقبل يحلمون به، لهم ولأولادهم من بعدهم. انهم ينتظرون تشكيل سلطة تعيد لهم ما فقدوه من ثروات مادية ومعنوية، تعيد لمّ شملهم بعد أن تشتتت العائلات واصبحت الهجرة كابوساً يطرق كل باب». مضيفاً أنه «من حقنا نحن اللبنانيين ان نعطى فرصة لبناء بلدنا، وذلك يتم من خلال اللامركزية الادارية والتنموية والخدماتية، إنها مدخل للتنافس الإيجابي على التنمية بدلاً من التنافس السلبي التعطيلي».

بالاضافة إلى أنه «من شاور الناس شاركهم عقولهم»، فان «أهمية اللقاء مع الشخصيات الروحية هو للطلب منها مخاطبة عقول المسؤولين ليستمعوا إلى الحلول الممكنة التي يقدمها المجلس»، قال عضو المجلس صادق علوية. فمن المعروف عن المجلس أنه لا يشتكي، إنما يقترح الحلول. وانطلاقاً مما ورد في أطروحة الدكتوراه للشيخ سامي أبي المنى أن «الحوار هو السبيل الارقى لتحقيق السلام»، فان «الحوار بين مختلف اطراف الإنتاج الممثلة في هذا المجلس أوصلنا إلى نتيجة مفادها أن ما ينقصنا هو الارادة»، قال علوية. و»على سبيل المثال نسمع ان هناك حاجة إلى اقرار قوانين جديدة في مختلف المجالات. إلا أنه منذ العام 2020 ولغاية 2022 أقر المجلس النيابي 165 قانوناً، منها ما هو اصلاحي ومنها ما يتعلق بمكافحة الفساد. إلا انها لا زالت ضمن إطار التضخم التشريعي. أي أنها لا تطبق».

من جهته لفت عضو المجلس انيس بودياب إلى أن «خريطة الطريق التي أطلقها سماحة شيخ العقل، تحتاج إلى تعبيد لنقدر أن نصل إلى «منتج»، كما نسمي الحلول في المجلس». بودياب الذي أشار إلى أنه ينتمي إلى مدرسة سياسية لا تحبذ تدخل رجال الدين بالسياسات اليومية، رحب بأي تدخل وطني جامع لرجال الدين، مناشداً إياهم إنزال السياسيين عن الشجرة وإجلاسهم على طاولة الحوار. وهذه مهمة أساسية خصوصاً لشخصية مثل شيخ العقل تميزت بتاريخها الحواري. وإذا كان الامام موسى الصدر قد اعتصم داخل كنيسة لوقف الحرب الاهلية، فانه يجب أن نعتصم جميعاً لانتخاب رئيس للجمهورية، لانه مفتاح الحل.

في الوقت الذي كانت تتعالى فيه الدعوات للحوار ونبذ المصالح الضيقة وتحمل المسؤولية من على منبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، كانت المشاكل تستعر لهيباً. فالازمات أفلتت ولم يعد من رادع سياسي أو حتى إقتصادي أو نقدي يحمي اللبنانيين. وهذا ما تمثل باستمرار التعطيل الرئاسي والحكومي، وتجاوز سعر صرف الدولار 40 ألف ليرة، ورزوح المواطنين تحت نير ارتفاع اسعار المحروقات ومختلف السلع والخدمات.

بالرغم من أن الصورة ما زالت قاتمة لغاية اللحظة، إلا أن «الازمة قابلة للحل»، برأي شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، وذلك من خلال احترام الدستور والتصدي لمعالجة الواقع الراهن بمنع حصول الفراغ الرئاسي كما يحصل في معظم الاحيان، وبمنع عرقلة تأليف الحكومة القادرة على التعاطي الايجابي مع الملفات الاصلاحية، والعمل معاً على توحيد الرؤية الوطنية، وتوجيه الرأي العام وحثه على رفض الفساد والمشاركة الجدية في بناء الدولة. ومن الخطوات الواجب اتباعها فوراً:

– توفير الحماية الاجتماعية الشاملة.

– إعتماد مبدأ الحوكمة الرشيدة في صياغة السياسات الرسمية وتنفيذها.

– إصلاح حقيقي في مؤسسات الدولة واداراتها واعتماد الاسس العلمية للتوظيف القائمة على دراسات دقيقة وشفافة للحاجات العملية.

– مراعاة التطور التكنولوجي.

– إستحداث وحدة للبحث والتطوير في كافة إدارات الدولة ومؤسساتها.

– دعم القطاعين الصناعي والزراعي بما يخفف من الاستيراد.

– إتخاذ ما يلزم من إجراءات تشريعية لضمان استخراج النفط والغاز واستثمارهما محلياً دولياً على نحو مستدام وشفاف بعيداً عن الهدر والفساد.

– إستكمال خطوات مساعدة النازحين في العودة الآمنة إلى بلدهم.

– إرجاع أموال المودعين لما له من أثر إيجابي على الثقة وتعزيز الإستقرار الاجتماعي.

– ضبط الحدود الجمركية.

– توحيد سعر الصرف.

– تفعيل الجباية.

– مكننة القطاعات والإدارات.

– الطاقة المتجددة.

– الشراكة بين القطاعين العام والخاص والانفتاح على العالم والدول العربية. إذ ليس من الممكن أن ننهض من دون العلاقة مع الدول العربية.

– الحوار الداخلي الشفاف بين جميع المكونات. مما يساهم في إرساء الاستقرار على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وجذب الاستثمارات.

– التضامن الاجتماعي والايمان بالاصلاح.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here