لا يكفي القول إن قانون الفجوة المالية سيدفع أول 100 ألف دولار لكلّ المودعين. لأن الغوص في شرائح الودائع (المسرّبة)، يكشف أن الأموال التي ستُدفع بالتقسيط على مدى السنوات الـ 4، سوف تُنفق بمجملها على الاستهلاك. ولن تسدّ سوى 18 % من الودائع، من دون إفادة الاقتصاد الوطني بأيّ شيء. بل على العكس، فإن هذه الأموال ستزيد فاتورة الاستيراد، وتستنزف العملات الصعبة وتطردها نحو الخارج.
عشيّة إقرار قانون الفجوة المالية، قبل رأس السنة، أطلّ رئيس الحكومة نواف سلام، وأعلن من مجلس الوزراء بعد إقرار مشروع القانون، أن القانون سيكون كفيلًا بـ “حصول 85 % من المودعين على أموالهم كاملة”… ثمّ بعد ذلك، بدأت وسائل الإعلام بتكرار هذه الجملة ببغائيًا بوصفها “حقيقة دامغة مُنزلة”.
طبعًا هذا الأمر، لم يُقنع المودعين، الذين ينتظرون منذ نحو 6 سنوات. كما لم يُقنع المصارف التي تعرف، حقيقةً، إلى أين سيقود هذا المشروع القطاع المصرفي. لكن بمعزل عن الكلام والآخر المضاد، لا ضير من الغوص في الأرقام من أجل معرفة الحقيقة، والتأكد إن كان هذا القانون سيعيد فعلًا الأموال للمودعين ضمن هذه النسبة (85 %) أم لا.
قبل ذلك، لا بدّ من ذكر التعريف العلميّ – التقني لمصطلح “مودع”، وهو: “الشخص أو الجهة التي تملك أو تحمل وديعة لدى مؤسسة ائتمانية (مصرف)، أي من له رصيد مُسجَّل كوديعة في حساب (جارٍ/ توفير/ إلى أجل…)، ويكون هذا الرصيد التزامًا على البنك وحقًا لصاحب الوديعة”.
طبعًا هذا التعريف لا يحدّد عتبة أو سقفًا، فيمكن لصاحب الحق أن يودع 1000 ليرة لبنانية أو مليار دولار… وفي الحالتين اسمه “مودع”. هذا في التعريف القانوني، لكن التمحيص في الأرقام التي سُرّبت مؤخرًا حول شرائح الودائع وأعدادها، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر أن مقولة “حصول 85 % من المودعين على أموالهم” تفتقر إلى الدقة، وفيها من محاولات اللعب على الأرقام والمصطلحات.
33 % يملكون أقلّ من 3 آلاف دولار
تكشف الأرقام أن من يملكون أقلّ من 3000 دولار (لولار) في حساباتهم يشكلون 33 % من حجم المودعين (قرابة 262 ألفًا من أصل 927 ألفَ مودع). أي إن ثلث المودعين سيحصلون بالفعل على أموالهم كاملة… وهؤلاء يملكون من كتلة الودائع ما لا يتعدّى الـ 1.4% فقط. بمعنى آخر وأشدّ وضوحًا، فإن ثلث المودعين لهم في ذمة المصارف 210 ملايين دولار من أصل 83.2 مليار دولار فقط!
لائحة شطور الودائع تكشف كذلك، أن كتلة الودائع الكبرى بين “مودعي ما دون الـ 100 ألف دولار” هي شريحة حاملي ما بين 20 و 50 ألف دولار، وهي قرابة 33 % من قيمة ما سيُدفع خلال السنوات الأربع. أمّا كتلة الحسابات الأكثر عددًا، فهي ضمن شريحة ما بين 3 و 20 ألف دولار (34 %)، وهذا بدوره يعني أن 34 % من المودعين ما دون الـ 100 ألف لا يملكون أكثر من 20 ألف دولار.
من 0 إلى 50 ألفًا نسبتهم 87 %
إذا تعمّقنا في الأرقام أكثر، نكتشف أن قرابة 87 % من المودعين يحملون ودائع أقل من 50 ألف دولار وليس 100 ألف دولار. أمّا المودعون الذين يحملون ودائع بين 50 و 100 ألف دولار فهم فقط نحو 13 %.
كما أن مودعي ما دون الـ 50 ألف دولار (إلى 1 دولار) تشكّل كتلة ودائعهم نحو 51 % من مجمل ودائع ما دون 100 ألف. بمعنى آخر، فإن من يحملون 50 ألف دولار وما دون في المصارف، هم 51 % من أصل المودعين الذين ستطولهم أول 100 ألف دولار. التفتيش بشكل أعمق، يكشف أن المودعين الـ 85 % الذين سيحصلون على أول 100 ألف دولار، وسيحصلون بالتالي (بحسب رأي الحكومة) على كامل أموالهم، لن يحصلوا فعليًا إلّا على 18 % من قيمة الودائع كاملة (82.2 مليار دولار).
ودائع للاستهلاك لا للاستثمار
الكارثة الكبرى ليست في هذه الأرقام. فهذه الأموال التي ستُدفع للمودعين، ستُقسّط على 4 سنوات. أي أن كل مودع سيحصل سنويًا على 25 ألف دولار، مقسّطة بشكل شهري لما يصل إلى نحو 2000 دولار. بينما الحدّ الأدنى للقسط الشهري لمن يملكون سقوفَ ودائع أقل من 100 ألف، سيكون 1500 دولار. هذه الأموال التي ستُدفع شهريًا لن تحرّك الاقتصاد بالمعنى المفيد. لن تزيد الاستثمارات ولا فرص العمل… وجل ما تفعله أنها سترفع الاستهلاك. أي أنها ستُترجم بمزيد من الخسائر في الميزان التجاري وفائض المدفوعات، باعتبار أنها ستتسبّب في زيادة الاستيراد، لأنها ببساطة ستُخصّص لاستهلاك المواد الغذائية أو السلع الخاصة بالحاجات اليومية وبدفع إيجارات المنازل أو اشتراكات الكهرباء…
تحرير الودائع أفضل من دفعها
الحقيقة المُرّة التي تتجاهلها الحكومة، هي أن الـ 15 % من المودعين الذين لن يحصلوا على أموالهم، هم من الطبقة الوسطى والغنية (فوق 100 ألف دولار) هذه الطبقة هي القادرة على الاستثمار وتحريك العجلة الاقتصادية وزيادة فرص العمل.
أمر آخر أشدّ أهمية، لم يأتِ قانون الفجوة على ذكره ولم تلتفت الحكومة إليه، السياق العام أو الذهنية التي صيغ فيها قانون الفجوة ينطلق من أحقية “دفع” الودائع وليس “طمأنة” المودعين عنها. بعبارة أخرى، فإن الحكومة كانت مطالبة بتطمين المودعين بأن الودائع موجودة وأن المشكلة في نقص السيولة. بهذا القانون، اعتبرت الحكومة أن الأموال مستحقة ولا بدّ من إخراجها بأي طريقة من القطاع المصرفي إلى المنازل… وهذا لا يتفق إطلاقًا مع فلسفة خروج لبنان من “اللائحة الرمادية” وتحاشي اللائحة السوداء. بل على العكس يرمينا في أحضان الأخيرة، وأحضان اقتصاد “الكاش”.
كان يُفترض بقانون الفجوة، أن يجترح “معجزة” تسمح للمودعين بتحرير أكبر قدر ممكن من ودائعهم، ليُخصّص ويُنفق ضمن الدورة الاقتصادية الداخلية المثمرة (بشرط عدم تحويلها إلى الخارج): مثلًا تحرير أول 500 ألف دولار لكل مودع تُستخدم على شكل “شيكات مصرفية” بقيمتها الإسمية لتدور ضمن الاقتصاد الوطني (لشراء عقارات أو لتطوير مشاريع)، ثم تُحرر أو يُسمح تحويلها إلى الخارج بعد عدد من السنوات وضمن ضوابط يفرضها مصرف لبنان ويشرف عليها ويكفلها بأصوله… ألم يكن ذلك أنفع وأنجع للاقتصاد وللمودعين على السواء؟



