كنا نعتقد، لعقودٍ طويلة، أن مسار الحضارة الإنسانية خطٌّ مستقيمٌ صاعد، تُبنى فيه المعرفة الجديدة على أسس المعرفة القديمة، وتُورَّث المهن من جيل إلى جيل مع بعض التطوير والتحديث. كان التعليم النظامي، بمراحله المتدرجة وشهاداته المعتمدة، هو الآلة الدقيقة التي تُنتج هذه القوى العاملة المؤهلة، وتضمن استمرارية المجتمع وازدهاره. حتى جاءت زلازل الثورة الرقمية، ومن ثمّ تسونامي الذكاء الاصطناعي، لتهزّ هذه القناعات هزّا. ولم يكن التصريح الأخير لإيلون ماسك، القائل إن مهنة الطب التقليدية ستؤول إلى زوال بحلول عام 2029، سوى هزة ارتدادية عنيفة لهذا الزلزال الأكبر، كاشفةً عن صدع عميق في فلسفتنا تجاه المعرفة والعمل والتعليم ذاته. فهو لم يكن مجرد تنبؤ تقني، بل كان إعلانا عن نهاية حقبة، وطرحا جوهريا للسؤال الوجودي الذي يواجه كل فرد ومجتمع: إذا كانت المهن التي كرّسنا عمرا لتعلمها، وبنينا عليها هوياتنا الاجتماعية واستقرارنا الاقتصادي، ستتبخر أمام أعيننا، فلماذا، إذن، نطلب العلم؟
لم يكن هذا السؤال ليخطر على بال إنسان العصور القديمة أو الوسطى، ولا حتى على بال إنسان الثورة الصناعية. فطلب العلم، عبر التاريخ الطويل، كان فعل تحرر. كان الوسيلة التي انتزع بها الإنسان نفسه من غياهب الخرافة وسيطرة الطبيعة العمياء. كان الطب محاولة لفهم الجسد وعلاج آلامه، والهندسة وسيلة لبناء الملجأ والجسر، والفلسفة بحثا متواصلاً عن معنى الوجود وقيمته. كان العلم، في جوهره، نشاطا إنسانيا خالصا، مرتبطا بالفضول والضرورة معًا. كانت المعرفة سلعة نادرة، تتراكم ببطء، ويتوارثها الحكماء والعلماء. لقد حوّلنا المعرفة من وسيلة للتحرر إلى سلعة لإنتاج العمالة. وأصبحت المؤسسة التعليمية، في الكثير من الأحيان، خط تجميع ينتج موظفين بمهارات قياسية، أكثر منها واحة لإشعال شعلة التفكير. واليوم، نواجه لحظة مفارقة تاريخية: فبينما نعيش في ذروة الوفرة المعرفية، حيث تتجاوز المعلومات المتاحة قدرة أي إنسان على استيعابها، نجد أن القيمة السوقية للكثير من هذه المعرفة، في شكلها الخام والمكرر، تتجه نحو الصفر. لم نعد بحاجة إلى إنسان ليحفظ ويكرر؛ فالحفظ والتكرار أصبحا من اختصاص الآلة التي تفعل ذلك بشكلٍ لا يُضاهى.
هل تبقى هناك مساحات آمنة للإنسان؟ هل يمكن أن نجد استثناءات لمهن لن يسيطر عليها الذكاء الاصطناعي؟
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي، خاصة في نماذج التعلم العميق والنماذج اللغوية الكبيرة، مفهوم المعرفة من أساسه. فالمعرفة لم تعد حكرا على التخصص الطويل أو الدراسة المضنية في أروقة الجامعات. ها هو النظام الآلي يشخص سرطان الجلد من صورٍ شعاعية بدقة تفوق أطباء الأمراض الجلدية المتخصصين، ويقترح توليفات كيميائية جديدة لعقاقير ثورية، بل ويحلل السجلات القضائية ويستشهد بالسوابق القانونية بسرعة وشمولية تعجز عنها فرق كاملة من المحامين. الصحافة الآلية تكتب تقارير الربع السنوي وأخبار البورصة، وبدأت تنتج محتوى إبداعيا يقترب من المحتوى البشري. بل إن التعليم نفسه، ذلك الحصن الأخير، يتعرض للاختراق؛ فأدوات الذكاء الاصطناعي التكيفية قادرة على تخصيص المناهج وتعليم الطلاب وفق سرعاتهم وفهمهم بفاعلية تفوق المعلم المثالي. في تجربة شخصية مع نظام ذكاء اصطناعي متخصص في التشخيص الطبي الأولي، قدم النظام تحليلاً مفصلاً لحالة افتراضية معقدة، مذكّرا بكل الاحتمالات النادرة، ومستشهدا بأحدث الأوراق البحثية التي نشرت قبل أسبوع فقط. كان تشخيصه أسرع وأكثر شمولاً من أي استشارة طبية تقليدية قد تستغرق أسابيع من الانتظار والتحويل بين التخصصات. هذا الواقع يخلق تناقضا صارخا مع التحذير المعتاد الذي ترفعه كل هذه الأنظمة: “هذه المعلومات لا تغني عن استشارة الطبيب المختص”. فمع تزايد الدقة والموثوقية، سيصل بنا الحال إلى سؤال منطقي محرج: إذا كانت الآلة أكثر اطلاعاً على أحدث الأبحاث، وأسرع في الربط بين الأعراض، وأقل عرضة للتحيز والتعب، فما هي القيمة المضافة التي يقدمها الطبيب البشري؟ أليست الاستشارة البشرية، في الكثير من الحالات، مجرد وسيط غير ضروري بين المريض وخوارزمية أكثر كفاءة؟
هذا التحول الجذري لا يخلو من كلفة اجتماعية وسياسية باهظة. والسؤال المركزي هو: من سيدفع الثمن الأكبر؟ الفاتورة الأولية ستكون من نصيب فئتين رئيسيتين: الأفراد الذين يرفضون التصديق بحجم التغير، أو الذين يفتقرون إلى المرونة والقدرة على إعادة تأهيل أنفسهم، متمسكين بهوية مهنية ستغدو قريبا من مخلفات الماضي. والحكومات والمؤسسات البيروقراطية العاجزة عن استيعاب سرعة التغيير، والمحاصرة بين مصالح نقابات مهنية تقليدية ومتطلبات موازنات عامة لا تتسع لتمويل عمليات إعادة التدريب الضخمة. ستتفجر أزمة بطالة هيكلية ليست مؤقتة، فليست الوظائف هي التي ستختفي وحسب، بل مجالات عمل كاملة. وسيخلق هذا ضغوطاً هائلة لإعادة توزيع الثروة والمهارات، ويزيد في تعميق الهوة بين نخبة صغيرة من المصممين والمشرفين على هذه الأنظمة الذكية، وجماهير من المشغلين المساعدين أو العاطلين تماما. المسؤولية هنا ليست أخلاقية فحسب، بل وجودية للحكومات؛ فإما أن تتحول إلى قيادات استباقية تعيد هندسة برامج التعليم من الروضة إلى الجامعة، لتركز على المهارات التي تتفوق فيها البشرية، وإما أن تتحول إلى شرطة لقمع الاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن قطاعات كاملة من السكان فقدت وسيلة عيشها وهويتها.
في هذا المشهد العلم لم يعد ترفا فكريا أو مجرد تذكرة لدخول سوق العمل؛ لقد أصبح خط الدفاع الأخير والأول للإنسان
في خضم عاصفة التغيير، يعود السؤال بحدة: لماذا نطلب العلم إذن؟ الجواب لا يكمن في الانكفاء واليأس، بل في إعادة تعريف الغاية من طلب العلم ذاته. لم يعد الهدف مجرد “تأمين وظيفة”، فهذا هدف أصبح متزعزعا. الهدف الأعمق يجب أن يصبح ثلاثي الأبعاد: الفهم، والقدرة على التكيف، والحفاظ على القيمة الإنسانية. نحن نطلب العلم أولاً لفهم العالم الذي نعيش فيه، لفك شفرة التكنولوجيا التي تحكمنا، وليس لاستعمالها كصندوق أسود فقط. هذا الفهم هو ما يمكّننا من طرح الأسئلة النقدية: من يصمم هذه الخوارزميات؟ لماذا تتخذ هذه القرارات؟ ما هي التحيزات المتخفية في بيانات تدريبها؟ العلم، بهذا المعنى، يصبح سلاحا للرقابة والمساءلة. ثانيا، نطلب العلم لاكتساب أدوات التكيف الفكري. إذا كانت المعلومة نفسها متاحة للجميع، فالميزة تكمن في القدرة على ربط المعلومات عبر تخصصات متباعدة، وفي صياغة المشكلات الجديدة، وفي التعلم الذاتي المستمر. التعليم يجب أن ينتقل من نقل المحتوى إلى تعليم “كيفية التعلم”. ثالثا، والأهم، نطلب العلم لحماية قيمتنا الإنسانية. العلم ليس مجرد رياضيات وبيولوجيا؛ فهو في معناه الأوسع يشمل الفلسفة والأخلاق والتاريخ والفنون. هذه المعارف هي التي تغرس فينا الحس النقدي، والإحساس بالجمال، والحكمة الأخلاقية، والقدرة على التمييز بين ما هو مفيد تقنيا وما هو إنسانيٌّ وجميل. العلم، بهذا التعريف الواسع، هو الحاجز الذي يمنع الإنسان من أن يتحول إلى مجرد مشغل أو مستهلك سلبي للتقنية، بل يبقيه سيدا لها، موجها لها نحو غايات إنسانية.
للاطلاع على المقال كاملا يرجى الضغط:



