الرئيسية اقتصاد لبنان قطاع المقاولات على حافة الشلل

قطاع المقاولات على حافة الشلل

في ظلّ التصعيد العسكري الأخير وتداعياته المتشعّبة، يجد الاقتصاد اللبناني نفسه أمام ضغوط إضافية تعمّق أزماته المتراكمة، وتضع مختلف قطاعاته الحيوية أمام اختبارات صعبة، في مقدمها قطاع المقاولات الذي يُعدّ من أبرز محركات النمو والتشغيل.

تلقى قطاع المقاولات، الذي كان يعاني أصلا من اختلالات بنيوية وأزمات متلاحقة، ضربة جديدة مع اندلاع المواجهات، ما أدّى إلى شلل واسع في حركة الأشغال وتراجع ملحوظ في وتيرة المشاريع، سواء في القطاعين العام أو الخاص.

ومع تزايد الكلفة التشغيلية نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات ومواد البناء، إلى جانب تعقيدات سلاسل التوريد والإقفال القسري لبعض المرافق الإنتاجية، باتت بيئة العمل أكثر هشاشة، ما انعكس مباشرة على قدرة المتعهدين على الاستمرار في تنفيذ التزاماتهم.

يعدّ قطاع المقاولات في لبنان من أكثر القطاعات استيعابًا لليد العاملة، إذ يُشكّل رافعة أساسية للتوظيف المباشر وغير المباشر، ويؤمّن فرص عمل لآلاف العمال والمهندسين والفنيين، إلى جانب ارتباطه بسلسلة واسعة من المهن المساندة كالنقل والصناعات المرتبطة بمواد البناء والخدمات اللوجستية. ومن هنا، فإن أي تراجع في هذا القطاع لا يقتصر أثره على المشاريع والإنشاءات فحسب، بل يمتد ليطول سوق العمل برمّته، حيث تتسع دائرة البطالة وتتقلّص مصادر الدخل، ما يفاقم الضغوط الاجتماعية والمعيشية في بلد يعاني أساسًا من هشاشة اقتصادية متزايدة.

في هذا السياق، تبرز تحذيرات نقيب المقاولين في لبنان، المهندس مارون الحلو، لتسلّط الضوء على حجم التحديات التي يواجهها القطاع، ولتقدّم قراءة واقعية لتداعيات الحرب على سوق المقاولات وآفاق المرحلة المقبلة.

تداعيات الحرب

الحلو يُشير لـ “نداء الوطن”، إلى أن “ما شهدته البلاد خلال أكثر من أربعين يومًا من المعارك انعكس سلبًا وبشكل مباشر على مختلف القطاعات، ولا سيما قطاع الأشغال”. ويعزو هذا التأثير بدايةً إلى “الأسباب الأمنية، قبل أن تتفاقم التداعيات على المستوى المادي، حيث شهدت الأسعار تقلبات حادة نتيجة الحصار والحرب وارتفاع كلفة المحروقات، ما أدى إلى زيادة كلفة التنفيذ بشكل ملحوظ”.

أزمتا الترابة والكسارات

يضيف الحلو: “قطاع المقاولات كان يعاني أساسًا من أزمتيْن رئيسيتيْن قبل اندلاع الأحداث، تمثلت الأولى بإقفال شركات الترابة التي كانت قيد المعالجة مع مجلس الوزراء، إلا أنها لم تستأنف إنتاجها حتى اليوم، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الترابة بشكل كبير. أما الأزمة الثانية، فتكمن في استمرار إقفال الكسارات والمقالع المنتجة للبحص والرمل ومشتقات البناء، نتيجة فرض ضرائب بأثر رجعي لمدّة عشرين عامًا، إلى جانب صدور قوانين وُصفت بالمرتجلة، ما أدّى إلى تعقيد المشهد أكثر من دون حلول واضحة حتى الآن”.

يؤكد الحلو أن “هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى توقف عدد كبير من المتعهدين عن العمل، نتيجة الفارق الكبير في الأسعار وتعثر عمليات الدفع، خصوصًا في ظل توقف المالية العامة عن تسديد مستحقاتها، مع توجيه الإنفاق نحو دعم وزارة الشؤون الاجتماعية والمساعدات للمناطق المتضررة”. ويشير إلى أن “قطاع المقاولات، كسائر القطاعات في لبنان، يمرّ بمرحلة شديدة الصعوبة”، لافتًا إلى أن “أي انفراج يبقى مرتبطًا بتحقيق حد أدنى من الاستقرار، رغم وجود وقف لإطلاق النار، الذي لا يزال غير كافٍ لمعالجة تداعيات الحرب وارتفاع كلفة الإنتاج”.

ويكشف أن “نسبة توقف الأشغال بلغت نحو 70 % في معظم القطاعات، وسط غموض كامل حول مسار المرحلة المقبلة”، مضيفًا أن “لبنان لم يكن قد أنهى بعد معالجة تداعيات حرب عام 2024، حتى اندلعت حرب جديدة عام 2026، ما ضاعف حجم الأزمة”.

كما يشير إلى “حجم الدمار في البنى التحتية، لا سيما في الجنوب، حيث تضررت عشرات القرى التي تحتاج إلى إعادة إعمار وتأهيل، في وقت لا تزال فيه مصادر التمويل غير واضحة، في ظل وضع اقتصادي عالمي صعب وتراجع قدرة الدول الداعمة على تقديم المساعدات”.

تعثر المدفوعات

في سياق متصل، يوضح أن “معظم المشاريع، سواء في القطاعين العام أو الخاص، توقفت، مع ضعف السيولة وتعليق المدفوعات في القطاع العام”. كما لفت إلى أن “اليد العاملة تأثرت بشكل كبير، حيث تراجعت بنسبة تتراوح بين 70 و80 %”.

يختم الحلو بالتعبير عن أمله في “تثبيت وقف إطلاق النار وعودة الاستقرار، بما يسمح بإعادة تحريك عجلة الاقتصاد ومعالجة التحديات المتراكمة”، محذرًا من أن “الأعباء الاقتصادية لعام 2026 ستكون ثقيلة، وستنعكس بشكل مباشر على الموازنة العامة والمشاريع المستقبلية، في ظل الخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب”.

يبدو أن قطاع المقاولات في لبنان يقف عند مفترق حاسم، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع أزمات داخلية مزمنة، ما يضعه أمام تحديات غير مسبوقة تهدد استمراريته ودوره في تحريك الاقتصاد. وبين ارتفاع الكلفة، وتراجع السيولة، وتعطّل المشاريع، تتسع دائرة الانكماش لتطول مختلف مكونات هذا القطاع الحيوي، في ظل غياب حلول سريعة وواضحة.

وفي هذا الإطار، يؤكد نقيب المقاولين، أن الخروج من هذه الأزمة يبقى مرهونًا بتثبيت الاستقرار وعودة الانتظام إلى الدورة الاقتصادية، بما يسمح بإعادة إطلاق المشاريع واستقطاب الدعم اللازم لإعادة الإعمار. فبدون ذلك، ستبقى التحديات قائمة، وسيبقى القطاع عرضة لمزيد من التراجع في مرحلة يحتاج فيها لبنان أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة البناء والنهوض.

مصدرنداء الوطن - رماح هاشم
المادة السابقة“جنون نقدي” في حال التفلت وترك السوق لتحديد قيمة الليرة