قفزات أسعار اليوروبوند: مؤامرة “قانون الفجوة”؟

شهدت أسعار سندات اليوروبوند اللبنانيّة؛ أي سندات الدين المقوّمة بالعملات الأجنبيّة، قفزات سريعة وغير مألوفة، طوال الأيّام الماضية. هذا ما دفع البعض إلى الاستعجال، والافتراض -من دون التدقيق- بأنّ هذه الارتفاعات مرتبطة بإقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة في الحكومة.

بل وعلى بعض وسائل التواصل الاجتماعي، استعاد البعض نظريّات المؤامرة التي ألفها اللبنانيون منذ بدايات الأزمة، عبر الإشارة إلى أنّ قفزات الأسعار تدل على أنّ مشروع القانون جاء محابيًا لمصالح حملة السندات والدائنين الدوليين، وعلى حساب أصحاب الودائع. أي بمعنى آخر، افترض أصحاب هذه النظريّة أنّ المشروع لم يحمّل الدولة ما يكفي من ديون لمعالجة خسائر المصارف، ما سيصب أخيرًا في مصلحة دائني الدولة، الذين ينتظرون إعادة هيكلة ديونهم. وهذا ما رفع الطلب على السندات، بحسب نظريّة المؤامرة.

حركة الأسعار تُعاكس نظريّة المؤامرة

العودة إلى حركة الأسعار، منذ إقرار مشروع قانون الفجوة، تُظهر أنّ القفزات الأخيرة في السوق لم ترتبط بمشروع قانون الفجوة الماليّة، لا من قريب ولا من بعيد. بل على العكس، تُظهر هذه التطوّرات أنّ السوق لم تتفاعل إيجابًا من البداية، مع مشروع القانون.

أقرّت الحكومة مشروع قانون الفجوة الماليّة يوم الجمعة، في 26 كانون الأوّل الماضي. وبحلول منتصف الأسبوع اللاحق، أي يوم 31 كانون الأوّل، كانت أسعار السندات -استحقاق آذار 2027- قد تراجعت إلى قرابة 23.23 سنتاً للدولار، نزولاً من مستوى 23.44 سنتاً للدولار قبل أسبوعين. أي بمعنى آخر، خسرت هذه السندات قرابة 1% من قيمتها، خلال فترة الأسبوعين التي شهدت مناقشة وإقرار مشروع القانون. وفي بداية الأسبوع الأوّل من هذه السنة، واصلت رحلة الانخفاض، لتلامس حدود الـ 23.19 سنتاً للدولار.

لو أرادت السوق الإفراط في التفاؤل، بعد إقرار مشروع القانون الفجوة الماليّة، لكنّا رأينا الارتفاعات في الأسعار خلال تلك الفترة بالتحديد. غير أنّ الارقام تُظهر، وبشكلٍ واضح، أنّ السوق تفاعلت بفتور شديد -كي لا نقول سلبيّة- مع إقرار مشروع القانون. وربما كان ذلك مرتبطًا بمعرفة المستثمرين أنّ مشروع القانون ما زال يحتاج إلى بعض التعديلات والتحسينات، عند مناقشته في المجلس النيابي، ليتلاءم بشكلٍ أفضل مع شروط الصندوق النقد. كما أنّ الأسواق لاحظت طبعًا ردّة الفعل القاسية على مشروع القانون، من جانب اللوبيات المصرفيّة وبعض الأوساط السياسيّة، ما يؤشّر إلى أنّ مشروع القانون سيمر بطريق شديدة الوعورة داخل المجلس النيابي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ أسعار سندات اليوروبوند كان قد تفاعلت خلال العام الماضي بشكلٍ إيجابي، مع العديد من الخطوات الإصلاحيّة التي قام بها لبنان، كإقرار قانون رفع السريّة المصرفيّة. إذ دلّت تلك الخطوات على أن البلاد تتقدّم باتجاه الاتفاق مع صندوق النقد، ما سيفتح الباب أمام إعادة هيكلة الديون السياديّة، وتحديدًا سندات اليوروبوند التي امتنعت الدولة عن دفعها منذ العام 2020. غير أنّ إقرار مشروع القانون الفجوة الماليّة لم يلقَ ردّة فعل مماثلة من قبل الأسواق، للأسباب التي ذكرناها. وردّة فعل السوق المتواضعة، تؤشّر طبعاً إلى أنّ حملة السندات لم يتلقوا مشروع القانون كهديّة ثمينة كما يُشاع.

لماذا ارتفعت الأسعار مؤخراً؟

العودة إلى مسار الأسعار، تُظهر أنّ الحركة التصاعديّة السريعة بدأت صبيحة 7 كانون الثاني الماضي، ليصل سعر السند صباح اليوم إلى قرابة الـ 28.39 سنتاً للدولار. وبطبيعة الحال، لم تصل الأسعار إلى هذا المستوى إلا بعد أسبوعين ونصف من إقرار مشروع قانون الفجوة، وبعد أسبوعين من التراجعات في السوق، ما يعني أنّ ثمّة عوامل أخرى ومختلفة ساهمت في رفع الأسعار.

ارتفاع الأسعار، مرتبط بالأحداث في فنزويلا. إذ فور اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، سجّلت سندات اليوروبوند الفنزويليّة ارتفاعًا سريعًا، وبنسبة قاربت الـ 33% خلال ساعات معدودة. مع الإشارة إلى أنّ فنزويلا، تمامًا كحال لبنان، ممتنعة عن سداد هذه السندات، فيما ينتظر دائنوها لحظة التفاوض لإعادة هيكلة الديون السياديّة. وكان الارتفاع في أسعار تلك السندات مرتبطًا بترقّب المستثمرين للحظة تحوّل سياسي، بما يساهم في معالجة بعض المشاكل الماليّة العالقة، ومنها التعثّر في سداد الديون.

بعد ارتفاع أسعار سندات اليوروبوند في فنزويلا، بات لبنان أحد آخر البلدان التي تملك سندات مُتداولة عند مستويات تقل عن 24 سنتاً للدولار. ومن المهم التذكير بأنّ سندات اليوروبوند اللبنانيّة تنتمي إلى نفس فئة السندات الفنزويليّة، أي سندات الأسواق الناشئة، والمُعلّق دفعها، ما يضعها في نفس خانة الاستثمارات لدى الصناديق التي تنوّع توظيفاتها على أبواب عديدة. ولهذا السبب، كان من الطبيعي أن تواكب أسعار سندات اليوروبوند اللبنانيّة المسار العام للفئة التي تنتمي إليها، بما رفع الأسعار بشكلٍ سريع خلال أيام قليل.

مؤامرة “بلاك روك”

عند الحديث عن سندات اليوروبوند، ونظريات المؤامرة اللبنانيّة، غالبًا ما يتكرّر إسم شركة بلاك روك الاستثماريّة، التي عمل فيها سابقًا وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط. نظريّة المؤامرة تربط وجود البساط في الحكومة، بالسياسات المحابية -بحسب النظريّة- لحملة السندات، ومنها هذه الشركة. وطوال العام الماضي، وعند اتخاذ الحكومة أي خطوة إصلاحيّة تُزعج بعض اللوبيات المصرفيّة، كانت الحملات الإعلاميّة تعيد إثارة هذا الموضوع.

الحديث عن مؤامرة “بلاك روك” نكتة لا أكثر. ولا يوجد واقعياً ما يمكن الاستناد إليه لتبرير سرديّة كهذه. فحجم استثمارات بلاك روك في سندات اليوروبوند لا يتجاوز الـ 84 مليون دولار أميركي، فيما يستثمر مصرف لبنان والمصارف التجاريّة أكثر من 15 مليار دولار (أي 179 ضعف قيمة استثمارات بلاك روك) في سندات اليوروبوند. وإذا استفادت بلاك روك من السندات شبراً، فالقطاع المصرفي اللبناني سيستفيد كيلومترًا.

أمّا الأهم، فهو أن سندات اليوروبوند اللبنانيّة لا تشكّل في محفظة بلاك روك إلا نحو 0.0007% من إجمالي استثماراتها. وتوظيفاتها الرمزيّة في سندات الدين اللبنانيّة، لا تأتي إلا من باب تنويع خانة الاستثمارات، المخصّصة لأسواق الدول الناشئة كلبنان، وهذه سياسة معمول بها لدى جميع الصناديق العالميّة المماثلة.

وعليه، لا يمكن وضع هذه الاستثمارات في خانة التواطؤ المقصود والهادف، من قبل شركة عالميّة تنوّع توظيفاتها بهذا الشكل. أمّا عمل الوزير البساط السابق في هذه الشركة، فلا يمكن إدراجه ضمن خانة التآمر بطبيعة الحال. فأي شخصيّة كان لها تجربة في مؤسّسة ماليّة أو مصرفيّة لبنانيّة، أو في صندوق استثمارات دولي، سينطبق عليها تمامًا ما ينطبق على البساط اليوم. إذ يصعب العثور على مصرف لبناني أو صندوق استثمارات دولي لا يملك حصّة في سندات اليوروبوند اللبنانيّة.

في جميع الحالات، من المهم التذكير بأنّ المصارف اللبنانيّة ومصرف لبنان يملكان معاً ما يلامس حدود نصف محفظة سندات اليوروبوند اللبنانيّة. وبهذا الشكل، أي استرداد من قيمة هذه السندات، بعد إعادة هيكلتها، سيفيد الدائنين المحليين والنظام المالي اللبناني، بقدر ما سيفيد الدانئنين الدوليين. وفي حال ارتفعت أسعار هذه السندات مستقبلاً، بفعل التفاؤل بمسار التعافي المالي، لا يجب النظر إلى هذا التطوّر بريبة أو بعيون نظريّات المؤامرة.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةبيان تاريخي للبنوك المركزية العالمية يدعم باول ضد تهديدات ترمب
المقالة القادمةألواح طاقة شمسية طائرة… العاصفة تفضح غياب الرقابة