قلّة المعرفة تقضي على اقتصاد المعرفة: الشركات الناشئة تصارع للبقاء

0

من أين نأتي بالدولارات للصمود؟ سؤال يشغل اللبنانيين منذ أكثر من عام، فيما احتياطيّ مصرف لبنان القابل للاستعمال ينضب بسرعة قياسية. حلول كثيرة طرحت ولا تزال تطرح، وعدّاد الوقت يمضي، فيما «مرتا تلتهي بأمور كثيرة والمطلوب واحد». من الدعوات إلى التحوّل إلى الاقتصاد المنتج وتشجيع الصناعة والزراعة، إلى الحديث عن التوجّه شرقاً واللجوء إلى صندوق النقد وغيرها، جميع الخيارات بحثت ما عدا أسهلها وأسرعها جلباً للدولارات، وهو دعم اقتصاد المعرفة الذي تعتاش منه عشرات آلاف العائلات ويساعد على الحفاظ على ما تبقّى من أدمغة

يعرّف اقتصاد المعرفة على أنه الاقتصاد الذي يشكل إنتاج المعرفة فيه وتوزيعها واستخدامها المحرك الأساس للنمو، وركيزته الأساسية تقوم على توظيف العلم والتكنولوجيا في جميع ميادين الاقتصاد، وتعدّ الموارد البشرية ذات المهارات العالية أكثر أصوله قيمة.

تبلغ مساهمة اقتصاد المعرفة في إجمالي الناتج المحلي في لبنان 1.4 مليار دولار، ويصل عدد العاملين في هذا القطاع إلى حوالى 44 ألفاً، وعدد الشركات الناشئة نحو 200 بحسب دراسة أعدّتها شركة «ماكنزي» حول مستقبل الاقتصاد اللبناني. ورغم العوائق التي تواجه هذا القطاع، وخصوصاً البنية التحتية المهترئة في مجالَي الكهرباء والاتصالات (أشارت دراسة لصندوق النقد الدولي العام الماضي إلى أن نقص الكهرباء هو ثاني أكبر عائق أمام القدرة التنافسية في لبنان)، وضعف الحوكمة وغياب الاستراتيجيات الحكومية الفاعلة في هذا المجال، كان المسار العام للشركات التكنولوجية الناشئة في لبنان يدعو إلى التفاؤل. وهو ما تبيّنه معطيات عدّة، أبرزها حلول لبنان في المرتبة الأولى عالمياً لجهة تأثير ريادة الأعمال على الابتكار بحسب «إيدال»، وفي المرتبة 59 عالمياً من أصل 137 بلداً وفق المؤشر العالمي لريادة الأعمال والتنمية، وفي المرتبة الرابعة عالمياً من أصل 125 دولة في نشاط ريادة المنتجات الجديدة بحسب مؤشر تنافسية المواهب العالمي لعام 2019. وتشير «إيدال» إلى أنها ساهمت في إطلاق أكثر من 65 مشروعاً تبلغ قيمتها الاستثمارية 1.9 مليار دولار، وخلق حوالى 8000 وظيفة مباشرة و20 ألف وظيفة غير مباشرة في مجال اقتصاد المعرفة.

«لبنان يستطيع الإفادة من قطاع المعرفة، بفضل رأسماله البشري الكفوء، فيزيد بالتالي ثروته ويحسّن إجمالي الناتج المحلي من أجل خلق فرص عمل وفتح آفاق جديدة لمن لديه القدرات الفكرية». بهذه الكلمات، توجّه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى المشاركين في «مؤتمر مصرف لبنان لتسريع الأعمال 2014». بعد 6 سنوات من كلام الحاكم، الرأسمال البشري يتسابق للهجرة، الثروات تبخّرت والناتج المحلي الإجمالي انهار، وفرص العمل أصبحت معدومة. أما قطاع المعرفة الذي نجح خلال سنوات في النموّ بشكل سريع فيصارع للصمود، فيما أعداد الشركات الناشئة التي تفلّس تزداد باطّراد.

وفّر تعميم مصرف لبنان 331 الصادر عام 2014 التمويل لروّاد الأعمال والشركات الناشئة وشجّع المصارف على الاستثمار في قطاع المعرفة، ما ساعد على خلق نهضة في هذا القطاع رغم الشكوك بحجم هذا الدعم الذي كان يمكن أن يكون أكبر بكثير. «لكن الأولوية كانت لدعم الاقتصاد الريعي والمطوّرين العقاريين. وأغلب ما حصل لا يعدو كونه أكثر من بروباغندا» على ما يقول الخبير الاقتصادي جهاد الحكيّم. وبحسب عمر كريستيدس، المؤسس والمدير التنفيذي لـ Arabnet، فإن «التعميم خلق فرقاً من دون شك، لكن المبلغ الذي رصد لقطاع المعرفة في لبنان بموجبه يقدر بحوالى 400 إلى 500 مليون دولار، أما ما صرف منه فلا يتعدّى 250 مليوناً، وهو رقم جداً بسيط إذا ما قسناه إلى حجم الخسائر في البلد».

يرى الحكيّم أن «أهمية قطاع المعرفة تكمن في أن كلفة الاستثمار فيه قليلة مقارنةً بالاستثمارات المطلوبة في الصناعة والزراعة، وميزته أنه قادر على توفير دولارات بسهولة». والمطلوب، بحسب كريستيدس، هو «إنقاذ ما أمكن من الشركات في لبنان وضخّ سيولة سريعة فيها ومساعدتها على الانفتاح على الأسواق الخارجية كي لا نخسر ما تم صرفه واستثماره من مئات ملايين الدولارات طوال السنوات الماضية. والواقع أنه بسبب جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية، فإن التعامل مع الشركات الناشئة من قبل المستثمرين بات شبيهاً بالتعامل مع مرضى كورونا في حالات الاكتظاظ، حيث بات همّ المستثمرين إنقاذ أفضل الشركات وأكثرها قدرة على الصمود وتحقيق الأرباح. أما من يختار من يجب أن ينقذ أو لا فهو أمر بدأنا نبحثه كقطاع خاص، وهو يتطلّب أيضاً تدخلاً حكومياً ومن مصرف لبنان. لكن هل هم قادرون أو راغبون في ذلك، وخصوصاً أن الأولويات هي لقطاعات حيوية أخرى؟».

يكشف رامي بوجودة، نائب المدير العام لـ Berytech، أنه «ليس هناك أرقام دقيقة عن واقع الشركات العاملة في هذا المجال منذ بداية الأزمة حتى الآن. لكن الأكيد أن الشركات الناشئة التي لا تصدر والتي لا تملك مداخيل من الخارج أغلقت أو على طريق الإغلاق. فمعظم الشركات الناشئة في لبنان سوقها محلي، وهي تؤمّن خدمات رقمية حديثة لقطاعات واسعة من مصارف وفنادق ومطاعم ووكالات سفر وغيرها، وقد أدّت الأزمة التي طالت كل القطاعات إلى تدهور أعمالها بشكل هائل».

عزّز انهيار القطاع المصرفي والقيود غير القانونية على السحوبات والتحويلات في تعميق جراح الشركات الناشئة والعاملين في هذا المجال وزاد من صعوبة حصولها على الاستثمارات اللازمة للنموّ والتوسع، وهو «ما صعب عليها حتى القدرة على التسويق عبر فيسبوك وتويتر وغيرهما من المنصّات» بحسب بوجودة، علماً بأن هذه من أبسط المتطلبات وأكثرها بديهية.

في هذا السياق، يكشف كريستيدس عن «مساعٍ يحكى أن مصرف لبنان في وارد اتخاذها لتسهيل وصول الصناديق والشركات إلى أموالها في المصارف. لكن الآلية التي ستتبع غير معروفة. والسؤال هو: هل ستحصل على الأموال بالليرة اللبنانية؟ وكيف سيكون الاستثمار؟ هل سترضى الشركات بأن تتخلّى عن حصص مقابل استثمارات بالليرة؟»
وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن التوجه قد يكون الى اعتماد سعر الصرف الذي حدده مصرف لبنان عند 3900 ليرة للدولار، وهو ما لن يؤدي إلى أي نتيجة في هذا المجال، وما قد يعزز من رغبة الشباب في الهجرة، وخصوصاً أن «هناك طلباً من الشركات في الخارج على اللبنانيين برواتب جيدة، أما الشركات الناشئة التي تتعامل مع الخارج فتصرّ على الدفع لموظفيها بالدولار كي لا تفقدهم» وفقاً لكريستيدس.

وكأن الوضع المحلي المأزوم لا يكفي حتى أتت اتفاقيات التطبيع بين عدد من الدول الخليجية وإسرائيل لتضاعف المخاطر على مستقبل اقتصاد المعرفة في لبنان، وهو سبب إضافي للمسارعة الى دعم هذا القطاع، وخصوصاً أن قدرته على الصمود في ظلّ المتغيّرات الإقليمية ليس سهلاً، في ظل التفوّق التكنولوجي الإسرائيلي والاستثمارات الحكومية والخاصة الضخمة التي تضخّ في قطاع المعرفة في كيان العدو، والذي قد يترافق مع ضغوط خليجية على الشركات اللبنانية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here