الرئيسية اقتصاد لبنان كريم سعيد «يتفركش» بالسياسة النقـدية

كريم سعيد «يتفركش» بالسياسة النقـدية

ثمّة قناعة متزايدة في الأوساط المالية بأن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يتعثّر في إدارة السياسة النقدية بسبب انعدام خبرته في هذا المجال وما يظهره من «غرور» في التعامل مع مديري مصرف لبنان. وهذا الواقع، دفع الكثيرين إلى مقارنة إجراءاته مع تلك التي كان يتّخذها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة الذي كان «أشطر» وأكثر خبرة في مجال التعامل مع الأزمات انطلاقاً من فهمه العميق لآليات عمل النظام والسياسات النقدية. فهو لم يدرك حدود الآليات المُطبّقة في إطار السياسات النقدية وأن التعامل مع الأحداث الكبرى يتطلّب فهماً أوسع للسوق بعيداً عن تلك النظريات الأكاديمية التي يروّجها من هم حوله.

اعتباراً من منتصف 2023 سُجّل تطوّر مهم في السياسة النقدية محوره الدولرة الكاملة في السوق بالتزامن مع تثبيت سعر الصرف على سعر وسطي يبلغ 89500 ليرة مقابل كل دولار. ومذَّاك بدأت السيولة بالعملات الأجنبية تزداد لدى مصرف لبنان، فارتفعت من 8.8 مليارات دولار لتبلغ ذروتها في شباط الماضي مُسجّلة 12 مليار دولار (تتم هذه المقارنة على أساس الرصيد الشهري). وأتت هذه الزيادة رغم أن مصرف لبنان يدفع شهرياً مبالغ بالعملة الأجنبية من خلال السياسة النقدية التي أرسيت بالاتفاق مع وزارة المال، إذ كانت الرواتب والأجور وجزء من عمليات التشغيل في القطاع العام تُدفع بالدولار النقدي.

لكن تطوّرت المدفوعات بالعملة الأجنبية على مدى السنوات الأخيرة، فازدادت كلفة الرواتب والأجور من 160 مليون دولار في عام 2024 إلى 220 مليون دولار في عام 2025. وبلغت قيمة المدفوعات الأخرى للقطاع العام نحو 100 مليون دولار شهرياً. أيضاً استمرّ مصرف لبنان بدفع أكثر من ثلثي المدفوعات الإجمالية للسحوبات المتعلّقة بالتعميمين 158 و166، إذ كانت كلفة التعميم 158 لا تزيد عن 800 مليون دولار سنوياً بالإضافة إلى نحو 140 مليون دولار كانت تُدفع بالليرة، ثم ارتفعت بعد تعديلات واسعة على التعميم، ما أدّى إلى رفع سقف السحوبات إلى 1.7 مليار دولار سنوياً. أمّا كلفة التعميم 166 فكانت نحو 130 مليون دولار سنوياً، ثم ارتفعت إلى 640 مليون دولار. في المجمل بلغت كلفة التعميمين في حزيران 2025 نحو 2.3 مليار دولار سنوياً.

وعلى ضفّة السيولة بالعملة الأجنبية، كان مصرف لبنان يجمع الدولارات بوتيرة مرتبطة بتحصيل الضريبة. هذه الإجراءات بدأت منذ تثبيت سعر الصرف في منتصف 2023 على أساس أن العمل في بيئة السوق المدولرة سيكون على النحو الآتي: إجبار المكلّفين على تسديد الضرائب بالليرة، وبالتالي تحويل ما يجمعونه من مبيعاتهم بالدولار إلى ليرات لتسديد الضريبة. وتعهّدت الحكومة بأن تعزّز تحصيل الضرائب وبأن تمتنع عن الإنفاق خارج المبالغ المُقرّة في الموازنة. وهذه الأخيرة صدرت في السنوات الثلاث الأخيرة من دون أي عجز، ولو بشكل وهمي.

بهذا المعنى، كان جزء من الدولارات التي يضخّها مصرف لبنان للتعاميم والرواتب ولتمويل بعض حاجات الدولة، يعود إلى خزائنه سريعاً، ثم يعود إليه أيضاً جزء مهم من الدولارات التي يحوّلها المكلّفون بتسديد الضريبة إلى ليرات. خلق له هذا الوضع فائضاً من السيولة بالعملة الأجنبية. تراكمت هذه السيولة بما أتاح لمصرف لبنان تسديد جزئي لحصّته من التعاميم، ولإظهار قدرته على مراكمة إضافية في احتياطاته السائلة بالعملة الأجنبية.

كل هذه الإجراءات لم يكن كريم سعيد من أرساها وأدارها في مراحلها الأولى، بل كان النائب الأول للحاكم وسيم منصوري حين تولّى، بالإنابة، مهام الحاكمية بعد انتهاء مدّة ولاية رياض سلامة. وحين عُيّن كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان، قرّر الأخير أن يقدّم «هدايا» شعبوية في إطار خطّته لإسكات المودعين من خلال زيادة قيمة سقف السحوبات بواسطة التعاميم.

وبالفعل أغريت الحكومة وقوى السلطة بهذا الخيار. وقرّر المجلس المركزي لمصرف لبنان في تشرين الثاني 2025 أن يرفع سقف السحوبات إلى 1000 دولار للتعميم 158 و500 دولار للتعميم 166 ما أدّى إلى رفع مجمل قيمة السحوبات لتبلغ 2.9 مليار دولار سنوياً. وبالتزامن قرّرت الحكومة أن تزيد رواتب العاملين في القطاع العام. ففي شباط 2026، وتحت ضغط الشارع، اتّخذت الحكومة قراراً بزيادة الرواتب والأجور بكلفة سنوية مُقدّرة بنحو 780 مليون دولار.

وبذلك، صارت المدفوعات الشهرية بالعملة الأجنبية التي يُفترض على مصرف لبنان أن يؤمّنها بموجب التزاماته، على النحو الآتي: 285 مليون دولار للرواتب والأجور، 100 مليون دولار لتمويل حاجات الدولة المختلفة، 160 مليون دولار للتعاميم، أي ما مجموعه، 546 مليون دولار شهرياً. لكن اللافت، أنه بالتزامن مع رفع الأعباء المترتّبة عليه بالعملة الأجنبية، بدأت قدرته على مراكمة السيولة بالعملة الأجنبية، تسجّل تناقصاً.

ففي 15 شباط الماضي كان لديه 12 مليار دولار، وبعد أسبوعين، أصبح لديه 11.8 مليار دولار، وبعد أسبوعين إضافيين، أي في 15 آذار الماضي انخفضت قيمة السيولة بالعملة الأجنبية إلى 11.6 مليار دولار. بسحر ساحر انقلب الفائض إلى استنزاف مع تراجع في قدرته على جمع الدولارات من خلال الآلية المعمول فيها بنسبة 40%. وبحسب المطّلعين، فإن هذا الاستنزاف دفع وزير المال ياسين جابر إلى الإمساك بالملف النقدي والمالي معاً، ولا سيما أن الإجراءات التي اتّخذها كريم سعيد في مواجهة الأزمة شابتها أخطاء وانعدام معرفة بالسوق وبآلياته.

فقد اتّخذ سعيد قراراً بالإمساك بالسيولة بالليرة اللبنانية وطلب من وزارة المال أن تقنّن تسديد الفواتير المستحقّة للمورّدين وأصحاب الحقوق وأن تحصر التسديد بالنفقات المرتبطة بالحرب مباشرة، ثم أوقف ضخّ السيولة بالليرة للمصارف بالتزامن مع الطلب منها التوقّف عن شراء لولارات الزبائن بسعر 15 ألف ليرة.

أدّى ذلك إلى خنق السيولة بالليرة في السوق وارتفاع سعر فائدة الإنتربنك (الاقتراض من يوم ليوم بين المصارف) إلى 120%، ما أجبره على التراجع عن الخطوة الأخيرة وفرض على المصارف أن تبيعه اللولارات (الدولارات المسعّرة بقيمة 15 ألف ليرة) التي تشتريها من الزبائن.

ما حصل لاحقاً، أي في الأسبوع الأول على بداية الحرب، أن وزير المال ياسين جابر، بدأ يشرف مباشرة على عمل السوق وسط غياب التنسيق الواضح مع مصرف لبنان، بهدف الاطّلاع على حجم الليرات التي يمكن ضخّها في سياق الحفاظ على استقرار أسعار الصرف. لكن تبيّن لجابر أن سعيد مُصِرّ على رفع سقف السحوبات انطلاقاً من رغبته في توطيد العلاقات مع المصارف واحتساب السحوبات من ضمن الـ100 ألف دولار التي ستُعاد إليها من مجموع ودائعها بموجب قانون الانتظام المالي.

كما تبيّن أن كل دراسات كريم سعيد للسياسات النقدية القائمة على التعامل مع السوق، بما فيها المصارف والصرافون، هي مجرّد أعمال نظرية – دفترية ينفّذها له نائبه الثالث سليم شاهين من دون أي اعتبار لما يحصل فعلياً في السوق وللتراجع المُسجّل بنسبة 40% في جمع الدولارات.

جابر توصّل إلى قناعة بأن القرارات التي اتُّخذت قبل الحرب بزيادة السحوبات أحدثت اختلالاً في الكتل النقدية بين الليرة والدولار تفاقم مع الحرب التي أدّت إلى تقليص إيرادات الحكومة وزيادة نفقاتها، وبالتالي تقلّص ما كان المصرف المركزي يجمعه من دولارات في السوق مقابل ضخّ الليرات لمسدّدي الضريبة. أيضاً ظهر أن تدفّق الدولارات إلى السوق لم يعد كما كان عليه سابقاً، وأن التوقعات للفترة المقبلة تشير إلى سيناريو متشائم جداً.

في الواقع، عبّر عن هذا السيناريو وزير الاقتصاد عامر البساط في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، مشيراً إلى أن عجز ميزان المدفوعات وفق توقّعاته سيرتفع إلى 3 مليارات دولار إذا طال أمد الحرب إلى ثلاثة أشهر، وسينكمش الاقتصاد بنسبة 8%. ورغم أن البساط لم يعرض على الحكومة أي إجراء، إلا أن الحكومة شاركته الاطّلاع على المعلومات من دون أي نقاش في أي إجراء يتعلق بالأسعار أو بالمدى المسموح للنفقات وكيفية تأمين التمويل… فمن أبسط الإجراءات التي يمكن اتّخاذها، هي تلك المتعلقة بالكابيتال كونترول لاستعادة السيطرة على السياسة النقدية.

مصدرجريدة الأخبار - محمد وهبة
المادة السابقةبو نادر: قطاع الصناعات الغذائية حافظ على الانتاج والتصدير
المقالة القادمةأزمة الفجوة الماليّة … المسار التشريعي والتقني في ظلّ مُتغيّرات الحرب