لا حلول إقتصادية قبل التسويات السياسية في لبنان

0

في ظل تفاقم الأزمات الإقتصادية و الإجتماعية والمالية والنقدية في لبنان، والتدهور المتواصل في القيمة الشرائية للعملة الوطنية وإنخفاضها المستمر تجاه العملات الأجنبية ذات الثقة العالمية، وفي خضم المراوحة السياسية لمسيرة الحكم وحكومة تصريف الأعمال بعيد الإنتخابات النيابية الأخيرة، والتي تركت بصماتها في معادلة تركيبة الكتل السياسية في المجلس النيابي ولو بصورة نسبية، لكنها أرست توازنات جديدة، بحيث أصبحت أكبر الكتل النيابية السابقة، غير قادرة على تأمين الأكثرية المطلقة دون اللجوء الى التعاون أو التنسيق مع سائر الكتل النيابية الأخرى على إختلاف إنتماءاتها السياسية، يتجه لبنان أكثر فأكثر، ويوماً بعد يوم نحو المزيد من الصعوبات والأزمات والتعقيدات السياسية والإقتصادية والإجتماعية. يحصل ذلك، في ظل عجز الدولة بمؤسساتها المختلفة وأجهزتها المتنوعة، عن ضبط الأوضاع السياسية والإقتصادية والنقدية، الى جانب تسارع الأزمات المعيشية من صحية أو تربوية أو غذائية أو خدماتية أو بيئية أو إدارية أو حتى الأوضاع الأمنية التي باتت أكثر تفلتاً على أكثر من صعيد.

كما أن تدني أجور ورواتب العاملين في القطاع العام من مدنيين أو عسكريين، بالإضافة الى المتقاعدين، الى أدنى المستويات في العالم، وإنقراض ما يسمى بالطبقة الوسطى بحيث أصبح المجتمع في لبنان منقسماً الى فئتين أو طبقتين إجتماعيتين، الأولى فقيرة أو تحت خط الفقر، وهي تتجاوز نسبة ال %85 من المجتمع، والثانية غنية أو ميسورة الحال، وتمثل قرابة ال %15 من هذا المجتمع في هذه المرحلة، وحيث يلعب المال الإغترابي دور صمام الأمان لغالبية الأسر اللبنانية، بإدخال ما بين ستة الى سبعة مليارات دولاراً سنوياً في نسيج المجتمع اللبناني، مما يؤخر مرحلياً عملية الإنفجار الإجتماعي المرتقبة في أية لحظة من اللحظات العصيبة، وما الإضراب المفتوح من قبل ثلاثماية وعشرين ألف عاملاً أو متقاعداً من القطاع العام ، والمستمر حتى هذه اللحظات، إلا التعبير الواضح عن مدى عمق الأزمات الإقتصادية والمعيشية التي حلت بلبنان، كنتيجة حتمية لسوء الإدارة وتفشي الفساد وإنعدام الثقة الدولية بالمنظومة الحاكمة، والتي ما زالت تصر على التمسك بالسلطة السياسية رغم سقوطها المريع في إدارة الأزمات وتماسك السلطات الدستورية والحفاظ على المال العام، بل أصبحت مثالاً للدولة الفاشلة على المستوى المحلي والإقليمي أو الدولي.

وأصبح من شبه المؤكد، أن هذه المنظومة التقليدية في السلطة، لن تتمكن مطلقاً من إيجاد الحلول ومعالجة الأزمات مهما إدعت من حرص لفظي أو كلامي حول قدرتها على ذلك. تجارب السنوات السابقة هي أكبر دليل على فشلها وفسادها والتواطوء على نهب المال العام، ومرتكزاً لممارسة شتى أنواع الفساد والإثراء غير المشروع وإعتماد المحسوبية أو الزبائنية السياسية في التعيينات الإدارية لا سيما غير الشرعية منها وتخصيص بعض الوزارات الهامة لبعض القوى السياسية الطائفية، خلافاً للقيم الإدارية والتنظيمية والقانونية والدستورية. فتحولت الإدارة العامة الى أوكار للفساد والزبائنية السياسية بدلاً من تأمين الخدمات العامة المنوطة بها بوجه عام، وإنتشار الرشى والإستثمار الوظيفي على أكثر من صعيد.

لكن كيف السبيل لخلاص اللبنانيين من هذه الحالة الكارثية، وولوج الحلول السياسية والإقتصادية؟

أولاً : على الصعيد السياسي :

بات من الواضح أن لبنان لن يتعافى إقتصادياً ومالياً وإجتماعياً، قبل إيجاد الحلول السياسية لطبيعة النظام السياسي الطائفي التي أدرجت في النصوص الدستورية بعد مؤتمر الطائف ولا سيما المادة 95 من الدستور، التي أوصت بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان، ووضع الخطط المرحلية المؤدية الى ذلك .

-إعتماد سياسة خارجية مرنة وغير منتمية الى أية محاور إقليمية أو دولية، والحفاظ على علاقات جيدة مع الخارج لا سيما مع الدول العربية الصديقة للبنان، وترشيد الخطاب السياسي وعدم إقحام لبنان في صراعات المنطقة .

-إستكمال المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي مما يضمن حقوق لبنان الشرعية بثرواته الطبيعية، وترسيم الحدود البرية والبحرية وفقاً للخرائط الفنية التي إعتمدتها قيادة الجيش اللبناني والموثقة دولياً منذ إتفاقية الهدنة عام 49 ووفقاً للقانون الدولي وقانون البحار والمواثيق والأعراف الدولية ذات الصلة.

-كان ينبغي تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات الدستورية قبل موعد الإنتخابات الرئاسية المقبلة، لكن أسلوب التعطيل والفراغ، كان السمة السائدة على إمتداد ما يقارب نصف ولاية العهد الحالي، ونحن نتمنى أن يتمكن لبنان من تجاوز الإستحقاق الرئاسي المقبل وفقاً للأصول الدستورية، وعدم أخذ البلاد نحو آفاق تعطيلية جديدة، تضر بمصلحة الوطن وأبنائه جميعاً.

-إستمرار التفاوض مع صندوق النقد الدولي، والإلتزام ببعض الإصلاحات الجوهرية التي يحتاج إليها لبنان من أجل التعافي الإقتصادي، لكن دون إلقاء المزيد من الأعباء على كاهل الشعب اللبناني، وإعتماد وسائل التمويل من خلال الخطط والبرامج الإنمائية والإنتاجية، كبديل عن الضرائب والرسوم المرهقة له، واللجوء الى أسلوب الضرائب التصاعدية على هذا الصعيد.

– وضع الحلول المناسبة وبالسرعة اللازمة، لقضية النازحين السوريين، بإشراف دولي، وبالتعاون والتنسيق بين حكومتي البلدين، وتنظيم العمالة الأجنبية في لبنان وفقاً للقانون والمعاهدات الثنائية أو المتعددة الأطراف على المستوى الدولي.

ثانيا” : على المستوى الإقتصادي:

-إعادة النظر بخطة التعافي الإقتصادي، بما يتلاءم مع الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية المحلية، وتشجيع الحوافز على الإستثمار العام أو الخاص، والتركيز على المرافق العامة الإستثمارية بوجه خاص، كقطاع الإتصالات و الكهرباء والقطاع الجمركي، ومرفأ بيروت ومطار رفيق الحريري الدولي وإعتماد أساليب التعاقد الحديثة في إبرام الصفقات العمومية، وتقديم التسهيلات الإدارية لتشجيع الإستثمار في لبنان .

-إعادة هيكلية القطاع المصرفي بوجه عام، وإعداة النظر بالتعيينات الإدارية في مصرف لبنان على كافة المستويات.

– تأمين الأموال اللازمة والضرورية من خلال علاقات لبنان العربية والدولية، ومن خلال الصناديق والمنظمات الدولية للحصول على الهبات والمساعدات لإعادة النهوض بالوضع الإقتصادي، وإعادة تأهيل المرافق العامة الأساسية، وصولاً الى إمكانية ضبط سعر صرف العملة الوطنية في الأسواق المالية .

– إعطاء الأولوية في الموازنات العامة، وفي الخطط الإنمائية على صعيد الطاقة والمياه والإتصالات والمواصلات والبيئة والتربية والسياحة، والتوجه نحو الإقتصاد المنتج بدل الإقتصاد الريعي، وإعادة إحياء القطاع المصرفي ليقوم بدوره التسليفي على هذا الصعيد.

– إن لبنان يحتاج الى ما لا يقل عن أربعين مليار دولاراً أميركياُ من أجل الإنطلاق مجدداً، وحماية العملة الوطنية من المضاربة غير المشروعة والى جو من الإستقرار والأمان ، والى إدارة حديثة عاملة وفاعلة والى قضاء مستقل والى دولة مدنية عادلة وقوية، فهل نتعلم من تجارب الدول التي نجحت في الخروج من أزماتها ؟ أم أن المرحلة ما زالت تعج بلصوص الهيكل؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here