لبنان على فوّهة بركان… والدولة في “كوما”

0

هو القلق العارم نعيشه. محتجّون يقطعون الطرق. حقّهم. البنزين بأكثر من مليون ومثله المازوت والغاز على المسار نفسه. الدولار طاير طاير. والقضاء فارط فارط. خطاب الكراهية يزيد. والمتاهات لا تعدّ ولا تحصى. لا كهرباء لا مياه لا دواء لا طحين. و»التجويع» يستمرّ. إنّها الإبادة الجماعية. إنّه القلق العارم الذي يطلّ فيه من يقول: ترقّبوا إنفجاراً أقوى وأشدّ من انفجار النيترات. و»الدولة»؟ مثل النعامة رأسها في التراب.

«فلت الملق». وكلّ الأمور خرجت من كلّ الأيدي. و»الليلة لن تمرّ على خير… أنجزوا أعمالكم واذهبوا الى منازلكم باكراً». سيمفونية تتكرّر. عادت رائحة الدواليب المحروقة قوية لكن يبدو أن مناعة اللبنانيين أصبحت أقوى من كل الروائح الكريهة. ما زال أهل لبنان يحاولون الصمود. لكن كيف؟ كيف يتمكّنون من الإبتسام والحراك في ظلّ كل هذه الظروف المشحونة؟ سؤال يُحيّر الجميع الى أن يتذكروا أن الطير يرقص مذبوحاً من الألم.

أحدهم ردّد من زمان، منذ أكثر من عام: «بعدنا باللوج». صحّ كلامه لأننا يوماً بعد يوم ننزل الى دركٍ لا نهايات له. فهل علينا أن نقلق بعد وبعد؟ 24 في المئة من اللبنانيين يعيشون دون الدولارين ونصف الدولار في اليوم. و27 في المئة يعيشون في فقر. و25 في المئة «مدبرين حالن». الطبقة الوسطى انتهت… «أفّ على هالعيشة!» هو لسان حال كل من يعيشون في البلد من طيّبي القلوب.

نستيقظ عند الصباح. ننزل الى العمل؟ البنزين نار، لكن سننزل. ماذا لو أقفلوا الطرقات؟ ماذا لو أحرقوا دواليب؟ ماذا وماذا…؟ المياه مقطوعة. الكهرباء مقطوعة. صاحب المولد الكهربائي أرسل للتوّ رسالة هاتفية عبر واتساب يُخبر «المشتركين الكرام»: «أن الوضع غير سويّ وفواتير المولد تُدفع فقط بالدولار». تنهمر المشاكل قبل «طلوع الضوّ» وكلّما تقدم النهار عامت المشاكل أكثر فأكثر. نصغي الى عناوين الصحف: القلق هو العنوان والبقية تفاصيل.

رجال يدردشون حول آخر الأحداث وهم «يتنزّهون» تحت شمس كوانين وفي أيديهم ربطات خبز زاد ثمنها وقلّ وزنها. ننصت إليهم. إنهم يتحدّثون عن القاضي طارق البيطار. لماذا قرّر أن يعود اليوم؟ سأل أحدهم فردّ عليه آخر: ولماذا لا يعود اليوم؟ تدخّل ثالث لحلّ إشكال يكاد يحصل قائلاً: «هل سمعتم آخر أخبار النواب المعتصمين في المجلس؟»، يقلب «الجيران» شفاههم وكأن الموضوع لا يعنيهم.

الطرقات تقطع تباعاً. المستديرات عادت الى الإقفال. الأخبار تتتالى. الناس قلقون. فماذا يحدث؟ وماذا قد يحدث؟ هل دخلنا في المتاهة؟ القاضي طارق البيطار قال قبل شهرين، وهو مكفوف اليدين: «إن أموراً أكثر صعوبة سيمرّ فيها التحقيق واتّكاله لن يكون إلّا على الله وحده».

وصلنا الى «الأكثر صعوبة» واتّكال القاضي وسواه لن يكون في هذه المرحلة إلّا على الله وحده.

سبق كارثي

أخبار كثيرة تتوالى. الدولار يرتفع بعد وبعد. السوبرماركات لم تعد تضع أسعاراً على السلع كي لا تضطر الى تغييرها كل ساعة. ومن يشتري عن الرفّ فعليه أن يتوقع أي شيء على الصندوق. ننظر في عيون الناس. ثمة أفعال تعكس حالات من الذعر. يمسكون سلعة، ينظرون إليها، يحرّكونها في كلّ الإتجاهات، ثم يضعونها على الرفّ. تغيّرت حال اللبنانيين كثيراً لكن لا أحد – من أهل السلطة – يبالي. حالات الإنتحار في البلد الى تزايد. وفي علم النفس يُقال إنّ للقلق أعراضاً. الهلع الشديد عارض. عدم القدرة على التحكم بالوساوس الفكرية عارض. تصبّب العرق عارض وضربات القلب السريعة عارض… هي أعراض يشعر بها حالياً اللبنانيون بغالبيتهم. إنها نتاج عدم الشعور بالأمان «فليس سهلاً أبداً على إنسان أن ينام ويستيقظ وهو يحسب الدولار ويقسمه على اللبناني، ويعود ويقسم النتيجة على الموتور والدش والسلع الحياتية الأساسية والدواء. وكل ذلك، كل كل ذلك، في ظل الشعور العميق بأن الماضي ضاع والمستقبل على طريق الضياع.

الإعتناء بالذات وقت الأزمات

الإنسان الذي يشعر بالخطر في كل لحظات حياته، عند الفجر وعند المغيب، وبين بين، وهو ذاهب الى عمله وهو عائد منه، وحتى وهو جالس على أريكته يشاهد البلاد والعباد في حال من الهستيريا. في جمعية Embrace سعي دائم حثيث من أجل مساعدة الناس القلقين تحت عنوان «كيف يمكن الإعتناء بالذات في الأزمات؟». نعم «التعايش مع عدم اليقين» يجعل الناس ينزفون يومياً حتى التفكير ربما بالإنتحار. حالات السكتات القلبية والدماغية تزداد. حالات الموت أصبحت أكثر الأخبار التي يتناقلها اللبنانيون.

الدولة طبعا في «كوما». ومسؤولية ما يصيب – أو ما قد يصيب- الناس في رقبتها. وفي المعلومات شخص من كل أربعة معرّض للإصابة بأمراض نفسية. في كل حال، من يفهم في علم النفس ينصح من يعاني نفسياً من تصدعات بترميم نفسه بنفسه، بالمحاولة على الأقل، بالبكاء إذا شاء، بالرسم إذا شاء، بالصمت، بسماع الموسيقى، بالمشي في الطبيعة، بالمساعدة، بالتضامن، بالتضافر. اللبنانيون يعيشون تعبين منهكين والأسوأ: لا طبابة. حتى أنهم يسمعون من يقول لهم إذا شعرتم بالسوء وتنوون الدخول الى المستشفى فعليكم القدوم مع أدويتكم! فيا لهذه الدولة التي سمعنا منذ وعينا على هذه الدنيا من يخبرنا مقولة «نيال اللي عندو مرقد عنزة في لبنان». كانوا يضحكون علينا على الأرجح.

نعم، اللبنانيون في غاية القلق اليوم. وهناك من يخبرهم بأن الأمن سيهتزّ. هناك من يخبرهم عن «طابور خامس» يتحرك وعن سيناريوات مقبلة. فهل يمكن لشعبٍ يعاني كل أنواع المطبات أن يكون معافى؟

المجاعة لا بُدّ آتية. يصدق الناس أم لا؟ لا شيء أكيد في بلد غريب عجيب مثل لبناننا. حال الرغيف حال، واللبنانيون يشترون يومياً بدل الربطة إثنتين «فمن يدري ماذا قد يحصل غداً؟»، وفي لحظات القلق يشعر الناس بجوعٍ أكثر، يعني القلق والرغيف يلتقيان دائماً.

غداً يوم آخر. هي مجرد مقولة. كورونا عادت تضرب يميناً ويساراً وفي كلّ الإتجاهات. هو أمر آخر يُشكّل قلقاً. والأخبار التي نسمعها عن «فلان توفّي وعلتان يعاني» ولا علاج يؤثر علينا «هكذا نحن البشر، في طبيعتنا، نشعر مع الآخرين وهذا جزء من تكويننا. إننا نعيش الحدث الذي يعانيه آخرون، مع وطأته، وكأننا عشناه فعلياً». سمة الإنسانية تؤلم اللبناني بشكل مضاعف.

«لا تروق الحياة لمن يتبع القلق». أحدهم أخبرنا ذلك لكن كيف يمكن لكل هؤلاء اللبنانيين المعجونين بالقلق أن يتجاوزوه؟

ها هو الجسم القضائي في لبنان، آخر السلطات الحيّة، يسقط. في المقابل، هناك من يبتسم في هذه اللحظات لخروج الموقوفين في قضية المرفأ. مشهد آخر غريب عجيب. فمن كان يتخيّل- من الناس- أن يحصل ذلك بهذا الشكل. بدري ضاهر خرج غصباً عن إرادة قاضي التحقيق في الملف الذي يفترض أن يكون وحده، وحده فقط، مالك الملف. نرى ضاهر يبتسم كثيراً. هو كان عارفاً ربما بذلك. من يدري؟ لا شيء يحصل صدفة في لبنان. اللبنانيون يشاهدون ويسمعون ويحلّلون الأحداث و… يقلقون.

القلق يستمرّ. ماذا سيحصل غدا؟ لا، لا، ماذا قد يحصل اليوم؟ اللبنانيون سيستيقظون عند الصباح. سيفركون عيونهم كثيراً. وسينتظرون على قارعة الأحداث مجدداً. اليوم يوم جديد عنوانه: الإنتقام من العدالة. هناك من يريد تقويض أسس العدالة. هناك، الى كل الملفات الحالكة التي تحوم حول رؤوس الناس، ملف آخر ينتظرونه منذ أكثر من عامين: العدالة لضحايا المرفأ. هو ملف طالما اعتمد سيده- القاضي مقولة: صوت الأعمال أقوى من صوت الكلام. لكن، على ما يبدو هناك من قرر جرّه. هل ينجح؟ هو سبق وقال لنا: «لا يمكن لأي قاضٍ أن يترك تحقيقاً يقوم به كما لا يمكن لأي طرف أن يقول على ذوقه: خلص التحقيق. أنا وحدي، وحدي فقط، أقول: إنتهيت وهذا قراري الظني». إنه قراره وهو سيّد ملفه.

اللبنانيون، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، في قلق عارم. هو قدرهم؟ من قال؟… هي العصفورية الكبيرة التي سنبقى فيها حتى إشعار آخر.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here