لعبة المضائق والصراع على خطوط التجارة الدوليّة

منذ فجر التاريخ، كانت السيطرة على المضائق الحسّاسة من أهم الأهداف الحاسمة، التي ساهمت في رسم الاستراتيجيّات العسكريّة. الحروب اليونانيّة الفارسيّة، في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت مثالًا على الدور الذي يمكن أن تلعبه المضائق في الخطط والحروب الكبرى. أدرك الفرس باكراً أهميّة السيطرة على مضيق الدردنيل، كنقطة وصل بين بحرين وقارّتين، وكنقطة ارتكاز لتوسّعهم الإمبراطوري. وأتقن اليونانيون استثمار سيطرتهم على مضيق سلاميس لحشر الأسطول الفارسي، وإلحاق الهزيمة به، ثم إنهاء قدرته على مدّ الجيش البرّي بالدعم، فانهار مشروع الغزو كلّه.

لم يختلف الوضع اليوم، حتّى بعد كل التقدّم الذي شهده العالم في وسائل المواصلات البريّة والجويّة. في لعبة المضائق، تختلط استراتيجيّات السيطرة العسكريّة، مع حسابات أمن التجارة البحريّة، وسلامة سلاسل التوريد. هي “نقاط الاختناق”، أو “عنق زجاجة” الإمداد التجاري والعسكري، وهو ما يجعلها بحق “كعب أخيل” القوى الكبرى. ثم تزايدت خطورة هذه الممرّات والمضائق، مع تزايد التوتّرات الإقليميّة المرتبطة بحرب أوكرانيا وأزمة تايوان، والحروب التجاريّة التي يشعلها ترامب ضد الجميع. وبهذا، باتت الهواجس المرتبطة بنقاط الاختناق البحريّة تحرّك جميع القوى الكبرى، وتحدد أولويّاتها.

الصين ومضيق ملقا

يقع مضيق ملقا ما بين جزيرة سومطرة الإندونيسيّة وشبه جزيرة ماليزيا. وبذلك، هو يربط ما بين المحيط الهندي لجهة الشمال الغربي، وبحر الصين من جهة الجنوب الشرقي. لا يقع المضيق تحت السيطرة الصينيّة، لكن تجارة الصين ومستقبلها تقع تحت رحمة هذا المضيق. يكفي لنفهم المشهد أن نذكر رقمين، إذ يمر عبر هذا المضيق 80 بالمئة من النفط الذي تستورده الصين، وقرابة ثلاث أرباع صادرات السلع الصينيّة. هذا الواقع، دفع القيادة الصينيّة إلى استحداث عبارة “معضلة ملقا”، للإشارة إلى الإشكاليّات التي يفرضها الاعتماد على المضيق.

للصين معضلة أخرى تسعى إلى حلّها، اسمها تايوان. تستهدف الصين، خلال السنوات المقبلة، السيطرة على هذه الجزيرة بذرائع تاريخيّة وقوميّة، لكسر الطوق الذي تمثّله “سلسلة الجزر الأولى” الحليفة لأميركا، من اليابان شمالاً إلى جنوب شرق آسيا. كسر هذه السلسلة، سيمسح للصين بإنهاء استراتيجيّة اتبعتها الولايات المتحدة منذ ما بعد الحرب العالميّة الثانية، لاحتواء الصين، وإشغالها بمناكفات إقليميّة داخل مداها الحيوي.

ماذا لو ردّت أميركا على احتلال تايوان بخنق الصين تجاريًا، عبر مضيق ملقا؟ هنا تبرز أهميّة المعضلة التي تكبّد الصين استراتيجيًا، والتي تسعى القيادة الصينيّة لمعالجتها. وطوال الفترة الماضية، سعت الصين لإيجاد بدائل تخفّف اعتمادها أو انكشافها على مخاطر مضيق ملقا. ومنها على سبيل المثال استحداث ممرّات تجاريّة بريّة وأنابيب نفط تربطها بميانمار وباكستان وتايلاند وآسيا الوسطى. ومع ذلك، لا تزال جميع هذه المشاريع عاجزة عن تخفيف أثر “معضلة ملقا”، حتّى هذه اللحظة على الأقل.

روسيا والمضائق الدنماركيّة

لروسيا معضلة أخرى، لا تقل خطورة. إذ تشير الأرقام إلى أنّ أكثر 40 بالمئة من صادرات النفط الروسي تخرج من بحر البلطيق، ومنه إلى بحر الشمال ثم المحيط الأطلسي. وبهذا المعنى، تُمسك الدول الأوروبيّة بعنق روسيا المالي، عبر قدرتها على منع عبور شحنات النفط الروسيّة عبر هذا المضيق. ويُفاقم من معضلة روسيا عقدات تاريخيّة أخرى، مثل تجمّد الموانئ الشماليّة القطبيّة البديلة، خلال فصل الشتاء، ما يجعل بحر البلطيق المنفذ الوحيد المستقر شمالاً في تلك الفترة.

حتّى هذه اللحظة، اكتفى الاتحاد الأوروبي بفرض العقوبات التجاريّة على أنشطة النفط الروسيّة، من دون أن يصل الأمر إلى عرقلة إبحار “أسطول الظل” المُعتمد من قبل موسكو لتصدير النفط بعد إخفاء مصدره. لكن ماذا لو قرّر الاتحاد الأوروبي في مرحلة لاحقة خنق أنشطة هذه الأسطول، وخصوصًا بعدما تحوّل بحر البلطيق إلى بحيرة لحلف الناتو، إثر انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف؟

في الوقت الراهن، لا تزال المعاهدات الدوليّة تضمن سلامة إبحار السفن الروسيّة. لكن الدول الأوروبيّة حاولت خلال الفترة الماضية وضع أسس قانونيّة، يمكن استخدامها لعرقلة أنشطة هذا الأسطول، ومنها مثلاً عدم وجود عقود تأمين موثوقة، بسبب العقوبات، والمخاطر البيئيّة التي يشكّلها هذا الأسطول بسبب ترهّل سفنه. في المقابل، قامت روسيا بالمزيد من الخطوات الاحترازيّة، لإخفاء تحرّكات أسطولها عن الرادات، وتمويه حركته قدر الإمكان.

أميركا وقناة بنما

لنفهم معضلة أميركا مع قناة بنما، نعود إلى رقمين: أكثر من 40 بالمئة من تجارة الولايات المتحدة البحريّة تمر عبر هذه القناة، ونحو 70 بالمئة من أنشطة القناة مخصّصة لخدمة تجارة الولايات المتحدة. ونضيف إلى ذلك رقم له حساسيّة خاصّة، بالنسبة إلى أمن الطاقة، إذ تمر عبر القناة 80 بالمئة من شحنات الغاز المُسال الأميركي المتجهة إلى الأسواق الآسيويّة.

ببساطة، هذه القناة هي الممر الذي تسلكه جميع الصادرات والواردات، بين شواطئ أميركا الشرقيّة، والأسواق الآسيويّة. ولتفادي هذه القناة، ستضطرّ هذه الشحنات إلى سلوك الطريق البحري الذي يمر جنوب الأرجنتين، ما يطيل رحلتها بأكثر من 10 أيام. والذهاب إلى رحلات بديلة من هذا النوع، سيكون له أكثر كبير على مستوى الضخّم، في حين أنّ سعة أساطيل الشحن لن تتمكّن من استيعاب الطلب بفعل تأخّر وصول الرحلات. ببساطة، بنما هي معضلة أمن قومي أميركي، وليست مجرّد ممر تجاري.

على هذا الأساس، لا يوجد غرابة في تركيز الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إشكاليّة القناة. فالصين لا تسيطر على القناة نفسها، لكنّها تدير ميناء بالبوا عند مدخل القناة الشرقي، وميناء كريستوبال عند مدخلها الغربي. ومن يدير الموانئ لا يتحكّم فقط بحركة السفن، بل يدير أيضًا أولويّات الرسو، والخدمات اللوجستيّة، وتدفّق البضائع في أوقات الضغط، فضلًا عن مستوى الرسوم التي ستتكبّدها شركات الشحن المختلفة.

بالنسبة للولايات المتحدة، ثمّة مخاطر أخرى، غير تلك المرتبطة بالصين. فبعكس قناة السويس، قناة بنما لم تتشكّل بحفر الأرض مباشرةً بين مسطّحين مائيين. بل تشكّلت من مجموعة من البحيرات الاصطناعيّة والسدود، والتي تعتمد على المتساقطات والأنهر التي تصب فيها. وخلال السنوات الماضية، شهدت القناة أسوأ فترات الجفاف، ما خفّض المتوسّط اليومي لحركة السفن بنحو الثلث، في بعض المراحل.

الخليج ومضيق هرمز

لا يوجد ما يجسّد خطورة الممرّات التجاريّة أكثر من حالة مضيق هرمز. فمن خلال هذا المضيق، يمرّ سنويًا ما يصل إلى حدود الـ 90 بالمئة من إجمالي النفط والغاز المُسال المُصدّر من دول الخليج. وهذه الصادرات، تمثّل وحدها خُمس النفط والغاز المُستهلك عالميًا، ما يؤشّر إلى حساسيّة هذا المضيق بالنسبة إلى مصادر الطاقة الدوليّة، وهو ما يجعله أخطر نقطة اختناق على مستوى أسواق الطاقة. ومن المعلوم أن بعض دول الخليج، مثل السعوديّة والإمارات، حرصت على تشييد أنابيب نفطيّة، تسمح بتخطّي هذا المضيق، لتخفيض مخاطره. غير أنّ هذه الجهود لم تفلح بالتخلّص من الاعتماد الشديد على نقطة الاختناق هذه.

من هذا الزاوية، يمكن فهم الضغط الذي مارسته بعض الدول الخليجيّة، بما فيها المناوئة للنفوذ الإيراني في الإقليم، لتفادي ضربات أميركية على طهران. فضربات من هذه النوع، كان يمكن أن تقحم منطقة الخليج العربي بأتون من الفوضى والنار، وهو ما كان سيتسبب بكارثة في أسواق الطاقة العالميّة. مع الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة نفسها لا تملك مصلحة في إطلاق العنان لارتفاعات كبيرة في أسعار النفط، إذا تعرّضت سلاسل توريد الطاقة للخطر في منطقة الخليج العربي.

باب المندب وقناة السويس

يمثّل الممران، مضيق باب المندب وقناة السويس، البوّابتين الشماليّة والجنوبيّة للبحر الأحمر. في هذه المنطقة بالتحديد، كان يمر سنويًا ما يقارب الـ 10 بالمئة من تجارة النفط المشحونة بحرًا، و8 بالمئة من تجارة الغاز المُسال، بالإضافة إلى 15 بالمئة من التجارة البحريّة العالميّة. وخلال العام 2024، بلغ التراجع في أنشطة الشحن هناك ذروته، بعدما سجّل انخفاضًا بنسبة 50 بالمئة، بفعل العمليّات العسكريّة الحوثيّة.

في الوقت الحالي، بدأت أنشطة الشحن تستعيد عافيتها بشكلٍ تدريجي، وإن كان هناك بعض المخاطر المتفرّقة التي ما زالت تُثني الشركات عن العودة الكاملة للمنطقة. وخلال الأشهر الماضية، تفاقمت النزاعات بين بعض الأطراف الإقليميّة المؤثّرة في المشهد اليمني، ما أشّار إلى استمرار الصراع حول السيطرة على تلك المنطقة الاستراتيجيّة.

خلال العام الراهن، سيستمر الصراع على نقاط الاختناق الأساسيّة، في ممرّات التجارة الدوليّة. وهذا الصراع، لن يكون مجرّد تفصيل تجاري لوجستي، بل سيحدّد أهم المقاربات والخيارات التي ستعتمدها القوى الكبرى. فالمضائق والممرات المائيّة عادت لتؤدّي الدور الذي لعبته منذ آلاف السنين، كنقاط تُحدد عندها موازين القوى، وليس فقط النشاط التجاري.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقة2026… عام ولادة العقول الرقمية
المقالة القادمةلهذه الأسباب لبنان تحت خط الفقر المائي