وصل سعر مبيع طن الإسمنت في السوق اللبنانية، اليوم، إلى 250 دولاراً مقارنة مع سعره الرسمي المحدّد من وزارة الصناعة بـ 91 دولاراً من ضمنها ضريبة القيمة المضافة. والمشكلة لا تقف هنا، إذ إن الكميات مفقودة من السوق أيضاً. هذه هي الحال قبل بدء ورشة الإعمار، فكيف سيكون السعر عند بدئها وارتفاع الطلب على مواد البناء بشكل غير مسبوق، في بلدٍ يستعدّ، عاجلاً أم آجلاً، لورشة إعمار هائلة ستحتاج إلى ملايين الأطنان من الإسمنت؟
لم يعد ملف المقالع والكسارات مجرّد سجال بيئي أو إداري مؤجّل. فالنقاش الدائر منذ سنوات بين وزارتي البيئة والصناعة والمؤسسات الرسمية المعنية، والشركات والناشطين، صار على عتبة مرحلة مختلفة: ضرورة تأمين مواد البناء لبلد تراكمت فيه عملية التدمير على مدى أكثر من سنتين، من دون تحويل إعادة الإعمار نفسها إلى باب جديد لجشع التجّار. وهذا يرتبط مباشرة بالتفاوتات في تصوّر المعالجة المتعلّقة بالمقالع والكسارات.
ففيما يصرّ جزء من الحكومة على إبقاء احتكار ثلاث شركات لصناعة الإسمنت بحجّة أنها صناعة وطنية، يبدو أن جزءاً آخر من الحكومة يسعى في المقابل إلى «تأديب» هؤلاء الذين يدمّرون البيئة، إذ إن الجزء الأساسي من النشاط المرتبط بهذه الصناعة، هو المقالع والكسارات التي يتمحور حولها اشتباك واسع أدّى إلى معالجة الملف بطريقة لا يُستخلص منها أي نتائج.
فالقطاع يعيش منذ سنوات بين أوامر التحصيل التي أتت لتعاقب مخالفات المقالع والكسارات، لكن مع تعاقب الوزراء أعيدت صياغتها مجدداً، ومُنحت أذونات استثنائية مع تمديدات متكرّرة بضغوط سياسية. انتهى الأمر إلى «تجميد» بقوة الأمر الواقع، لتطبيق المرسوم 8803 المتعلّق بتنظيم المقالع والكسارات، ثم أتت الحرب بكل مفاعيلها لتشير إلى أزمة مقبلة في السوق عندما تُسجّل زيادة هائلة على الطلب على الإسمنت، ما يعني أن الأزمة التي تفشل الحكومة في إدارتها ستتحوّل إلى كارثة.
ما يحصل اليوم في سوق الإسمنت هو المؤشر الأساسي على الكارثة المقبلة. فقد كان يكفي أن يتوقف عدد محدود من المقالع حتى يُخلق نقصٌ في مادة الإسمنت، وتبدأ الاحتكارات التجارية بممارسة لعبتها المفضّلة: رفع الأسعار. وقد كشف بيان صادر عن شركة «ترابة سبلين» هذا الواقع بوضوح، بعدما أعلنت الشركة أنها تعمل «بطاقتها القصوى» لتلبية الطلب وضبط السوق عقب توقّف مصنعَي الإسمنت في الشمال.
ويزداد هذا الواقع تعقيداً مع امتناع وزارة الصناعة عن نشر السعر الرسمي للإسمنت بشكل واضح ودوري عبر موقعها الإلكتروني كما كانت تفعل سابقاً، ما يفتح الباب أمام مزيد من الضبابية والعشوائية في آلية التسعير. وبحسب المعطيات، تسلّم الشركات الطن إلى نقاط البيع أو الوكلاء بسعر يقارب 91 دولاراً، ثم يعرض الوكلاء بيع الطن للتجار والمقاولين والمتعهّدين بنحو 120 دولاراً، ويظهر أن السعر للمبيع السوقي وصل إلى 220 دولاراً وفي بعض الأوقات 250 دولاراً. عملياً الأرباح غير الشرعية تصل قيمتها إلى 159 دولاراً من كل طن، أي ما يوازي 174% من السعر الرسمي (ضريبة القيمة المضافة ضمناً).
ولا تتعلق المشكلة فقط بعدد الشركات المُنتِجة، بل أيضاً بطبيعة السوق نفسها. فالإسمنت في لبنان هو مادة مُحتكرة بسبب الاحتكار الممنوح للمصانع ومنع الاستيراد، فيما يغيب أي نقاش جدّي حول تعزيز المنافسة أو خلق بدائل حقيقية في السوق. كما أنّ الدولة لم تبادر حتى الآن إلى وضع سياسة واضحة للتعامل مع هذه المادة التي ترتبط مباشرة بقطاع البناء والبنى التحتية.
فلا توجد آلية شفّافة ودورية لنشر الأسعار، ولا سياسة واضحة للاستيراد، ولا حتى تقديرات مُعلنة لحجم الطلب المتوقع خلال المرحلة المقبلة.
وهذا ما يثير مخاوف جدّية من أن يتحول ارتفاع الطلب المُرتقب إلى فرصة جديدة لتحقيق أرباح إضافية غير مشروعة من جيوب المستهلكين، فيما كان يمكن خفض جزء من فاتورة الإعمار وتوجيه الأموال نفسها نحو مشاريع وخدمات أكثر إلحاحاً. إلا أنّ السلطة لا تزال تتعامل مع هذا الملف بعقلية تشجيع الاحتكار وإدارته، لا توسيع التنافس والحفاظ على البيئة، وتنتظر انفجار المشكلة ثم تبدأ البحث عن حلول متأخرة، فيما تبقى السوق مفتوحة على الفوضى والمضاربة، ويتحمّل المواطنون الكلفة في النهاية.
يُذكر أنّ التوتر المتعلّق بهذا الملف كان قد انفجر داخل مجلس الوزراء خلال إحدى الجلسات الحكومية الأخيرة، حيث شهد الملف خلافاً حاداً بين وزيرة البيئة تمارا الزين ووزير الصناعة جو عيسى الخوري. وبحسب المُعطيات، فإنّ العمل متوقف حالياً في معظم المقالع على الأراضي اللبنانية، باستثناء مقلع سبلين الذي يواصل العمل، ما دفع الخوري إلى التحذير من تحوّل السوق عملياً إلى احتكار لمصلحة شركة واحدة، في ظل تعثّر الشركات الأخرى في الحصول على موافقات البلديات والتراخيص اللازمة.
وبحسب الطرح الذي قُدّم خلال الجلسة، فإنّ تعقيدات الموافقات البلدية والانقسامات السياسية المحلية تؤدّي عملياً إلى شلل في عدد كبير من المقالع، فيما تستمر شركات محدّدة بالإنتاج، الأمر الذي ينعكس مباشرة على السوق والأسعار والتوزيع. وفي المقابل، رفضت وزيرة البيئة أي تجاوز لدور وزارتها أو منح أذونات لا تمر عبر الأطر القانونية والبيئية المطلوبة، محذّرة من العودة إلى منطق الاستثناءات الذي حكم هذا القطاع لسنوات طويلة.
أمام كل ما ذُكر، يبرز سؤال لم يعد ممكناً تجاهله: لماذا لا يُطرح خيار فتح باب استيراد الإسمنت لكسر الاحتكار وتأمين المنافسة ومنع انفلات الأسعار خلال مرحلة إعادة الإعمار إذا كانت السلطة غير قادرة على التوافق على حل للمشكلة الداخلية المستعصية؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً مع الواقع الذي يستدعي التفكير بورشة إعادة الإعمار، الآتية لا محالة، والتي ستشمل الأبنية السكنية والبنى التحتية والطرقات والمؤسسات العامة. فزيادة الطلب بهذا الحجم، في ظل سوق محدودة الإنتاج والمنافسة، تعني عملياً احتمال ارتفاع إضافي في الأسعار، ما لم تتدخّل الدولة مُسبقاً لضبط السوق وتأمين بدائل تمنع الاحتكار.
إذاً، لبنان اليوم يحتاج إلى سياسة كاملة لسوق الإسمنت ومواد البناء قبل انطلاق أي ورشة إعمار واسعة. فإمّا أن تضع الدولة قواعد واضحة وشفّافة تنظّم الإنتاج والتسعير والمنافسة وتحاسب المخالفات البيئية، وإمّا أن يدخل البلد مجدّداً في الحلقة نفسها. الجبال تُستنزف تحت عنوان «الضرورة»، والأسعار ترتفع بلا ضوابط، وإعادة الإعمار يدفع اللبنانيون كلفتها مرتين: مرة من جيوبهم، ومرة من بيئتهم.



