الرئيسية اقتصاد دولی لماذا يقفز الديزل أسرع من النفط؟

لماذا يقفز الديزل أسرع من النفط؟

قد يتراجع سعر برميل النفط في يوم ما، بينما يبقى الديزل باهظاً في محطات الوقود. تبدو المفارقة غريبة، لكنها تكشف طبيعة الأزمة الحالية، العالم لا يحتاج إلى نفط خام وحده، بل إلى مصاف قادرة على تحويله إلى وقود، وناقلات تنقله إلى المستهلكين. ومع اضطراب إمدادات الخليج وتضرر المصافي الروسية بفعل الهجمات الأوكرانية، باتت كميات الديزل المتاحة للتجارة العالمية أقل من حاجة السوق. وإذا أضيف إليها احتمال تقييد صادرات الولايات المتحدة، فقد تنتقل الأزمة إلى مرحلة أشد، وإن كان هذا الاحتمال لم يصبح قراراً رسمياً.

الضربات الأوكرانية، أين اختفى الديزل الروسي؟
استهدفت أوكرانيا منشآت النفط الروسية مراراً، لكن الضرر الاقتصادي يتجاوز توقف منشأة لبضعة أيام. فالمصفاة تضم وحدات أساسية لتقطير الخام وأخرى لمعالجته وإنتاج ديزل، وإصلاح الوحدات المتقدمة قد يستغرق أشهراً. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج الديزل الروسي انخفض بنحو 30% قياساً بعام 2025، وأن مصفاة روسية تعرضت في المتوسط لضربة كل ثلاثة أيام خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026. وهكذا تقل قدرة روسيا على تلبية طلبها المحلي والتصدير في وقت واحد.

ولحماية السوق الداخلية، مددت موسكو حظر صادرات الديزل حتى 30 سبتمبر/ أيلول 2026. غير أن توقف الصادرات الروسية تماماً غير دقيق، إذ استمرت استثناءات لاتفاقات حكومية، وارتفعت الشحنات إلى بعض دول آسيا الوسطى في أغسطس/ آب. الذي تغير فعلياً هو حجم المعروض المتاح لبقية المستوردين، الذين اضطروا إلى البحث عن بدائل ومنافسة مشترين آخرين عليها. وتكتسب الخسارة وزناً خاصا لأن روسيا كانت قبل الأزمة ثاني أكبر مصدر للديزل بعد الولايات المتحدة.

الخليج والمصافي، لماذا يتفوق ارتفاع الديزل على الخام؟
لا تكفي الضربات الروسية وحدها لتفسير ارتفاع الأسعار. فالحرب في الخليج عطلت إنتاج النفط ومسارات نقله وصادرات المشتقات. وبحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في سبتمبر/ أيلول، هبط صافي صادرات الديزل وزيت الغاز من دول الخليج في أغسطس/ آب إلى نحو 390 ألف برميل يومياً، أي ما يزيد قليلاً على ربع مستواه قبل الحرب. وباحتساب الخليج وروسيا معاً، انخفض صافي صادراتهما من الوقودين بنحو 1.6 مليون برميل يومياً مقارنة بفبراير/ شباط.

وفي الوقت نفسه، كان حجم الخام الذي عالجته المصافي العالمية في أغسطس/ آب أقل بنحو 4.2 ملايين برميل يومياً منه قبل عام. وحتى المصافي العاملة لا تستطيع زيادة إنتاج الديزل، فطاقة وحدات المعالجة، ونوعية الخام، والحاجة إلى إنتاج وقود الطائرات والبنزين تفرض قيوداً. لذلك ارتفع السعر الإضافي الذي يدفعه المشترون للديزل فوق سعر الخام، أو ما يعرف بهامش التكسير. وقد تجاوز هذا الهامش 100 دولار للبرميل في مناطق أميركية وأوروبية خلال سبتمبر/ أيلول.

فقد بلغ متوسط سعر الديزل على الطرق الأميركية 6.5 دولارات للغالون في 21 سبتمبر/ أيلول، مقابل 4.4 دولارات للبنزين العادي، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية. والمقارنة هنا بين سعرين للمستهلك في البلد نفسه، لا بين الديزل والنفط الخام. ولأن الشاحنات والمزارع والمعدات الصناعية تعتمد على الديزل، فإن كلفته المرتفعة تنتقل إلى أجور النقل وأسعار السلع، خصوصاً الغذاء. ويزيد انخفاض المخزونات صعوبة امتصاص أي انقطاع جديد.

الحظر الأميركي، علاج محلي أم صدمة جديدة للعالم؟
من هنا جاءت دعوات أميركية إلى وقف تصدير الديزل مؤقتاً وإبقائه للمستهلك المحلي. تملك الولايات المتحدة وزناً مؤثراً في السوق، فقد بلغت صادراتها، التي تشمل الديزل، 1.6 مليون برميل يومياً في أبريل/ نيسان. نظرياً، قد تزيد القيود المعروض داخل الولايات مؤقتاً، لكنها تحرم الأسواق الخارجية من مصدر مهم في لحظة تراجع الإمدادات الروسية والخليجية، فتدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع.

مع ذلك، يجب التمييز بين المقترح والسياسة القائمة. ففي 23 سبتمبر/ أيلول نفى البيت الأبيض تقريراً عن التحضير لحظر تصدير لمدة 90 يوماً، وقال وزير الطاقة كريس رايت إن حظراً شاملاً ليس مطروحاً. وحذر من احتمال ارتفاع أسعار البنزين ووقود الطائرات، إذ قد يضعف خفض سعر الديزل المحلي حافز المصافي للإنتاج أو يربك توزيع منتجاتها. ولا يمكن الجزم بمقدار الأثر قبل معرفة شكل أي قيود محتملة ومدتها واستجابة المصافي.
الحاصل إذن ليس أزمة سببها طرف واحد، حرب الخليج قلصت إمدادات النفط والوقود، والضربات الأوكرانية أضعفت التكرير الروسي، والمخزونات المحدودة ضيقت هامش المناورة. وسيكون حظر أميركي، إن وقع، محاولة لنقل جزء من ضغط الأسعار إلى الأسواق الخارجية. ويمكن رصد بوادر الانفراج عبر ثلاثة مؤشرات، تعافي صادرات الديزل الروسية، وانتظام شحنات نفط الخليج، وارتفاع المخزونات في الأسواق المستوردة. ويظل الحل الأكثر استدامة عودة المصافي وحركة التجارة البحرية إلى طبيعتها، بدلاً من تقاسم النقص القائم بين الدول.

مصدرالمدن - شفيق طاهر
المادة السابقةالقروض السكنية مهدّدة… من يموّل بدل النقل ودعم السائقين؟
المقالة القادمةلماذا أخّرت لجنة المال النيابية اجتماعاتها لدراسة قانون الفجوة المالية؟