في الذكرى السنوية الأولى لتولّيه سدّة الرئاسة الأولى، تكلّم الرئيس جوزيف عون في مقابلة تلفزيونية عن سيل من الإنجازات المالية والإدارية على مستوى القطاع العام تمكّن من تحقيقها في السنة الأولى لولايته.
في الذكرى السنوية الأولى لتولّيه سدّة الرئاسة الأولى، تكلّم الرئيس جوزيف عون في مقابلة تلفزيونية عن سيل من الإنجازات المالية والإدارية على مستوى القطاع العام تمكّن من تحقيقها في السنة الأولى لولايته. وأبرز ما قاله عون أن اقتصاد لبنان حقق نمواً نسبته 5%، وارتفاعاً في الإيرادات نسبته 25% مقارنة مع ما كان مقدّراً في موازنة 2025، وتحقيق فائض أولي يتخطّى المليار دولار، فضلاً عن ارتفاع احتياطي مصرف لبنان بنحو ملياري دولار.
كلام الرئيس لا جمرك عليه. فالزيادة بنسبة 25% في إيرادات الموازنة تساوي 107 آلاف مليار ليرة، أي ما يساوي 1.2 مليار دولار، وفقاً لأرقام موازنة 2025 التي قُدّرت فيها الإيرادات بقيمة 428 ألف مليار ليرة، أي 4.78 مليارات دولار. وهذا ما يثير مجموعة أسئلة أبرزها: من أين أتت هذه الأموال إلى الخزينة؟ كيف زادت الإيرادات وأجزاء واسعة من البلاد في حالة حرب منذ سنتين والإنتاج فيها شبه مشلول؟ هل هي نتاج استثمارات حقيقية أم تراكمت كنتيجة طبيعية لعدم تسديد الدولة أيّاً من الأموال الواجبة عليها؟ أم هل أنها أفرطت في فرض الضرائب؟
في المقابل، يأتي كلام وزراء حكومة العهد الأولى ليوحي بأنّهم يديرون دولة غير تلك التي يشير عون إلى أوضاعها المالية، إذ يشيرون باستمرار إلى أن «ضرورة التعاون مع الجهات المانحة لتأمين التمويل لمشاريع، هي من صلب مهمات الدولة». مثلاً حفر آبار الماء التابعة لمؤسّسات المياه مموّلة من منظمة اليونيسيف، وبرنامج توزيع الأدوية على المصابين بالأمراض السرطانية في وزارة الصحة تشرف عليه وتدفع تكاليفه التشغيلية منظمة الصحة العالمية، وبرامج تأهيل الموظفين في وزارتي المال والداخلية وتحديث البرامج الإلكترونية والمعدّات يشرف عليها مباشرة البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP». إذاً أين يُصرف الكلام عن المليار دولار الإضافي؟
وفي السياق نفسه، يراوغ وزير المالية ياسين جابر عند سؤاله عن الزيادات التي ينتظرها موظفو القطاع العام على رواتبهم، إذ لا يقبل البحث في زيادة رواتب وأجور موظفي القطاع العام. وفي أكثر من مناسبة، يؤكّد أنّ الزيادة مشروطة بالوصول إلى وضع مالي أفضل في عام 2026، من دون تحديد ماذا تعني عبارة «وضع مالي أفضل». هكذا يمكن السؤال عن هوية من يقول الحقيقة: رئيس الجمهورية أم وزير المال؟ فالمشروع الخاص بتعديل رواتب القطاع العام موجود منذ تشرين الأول من عام 2025 في مجلس الوزراء، ولكنّه سيبحث لأول مرّة يوم غد الخميس في جلسة الحكومة.
وللسبب نفسه أيضاً تستقيل الدولة من عملية إعادة الإعمار، إذ يشير رئيس الحكومة نواف سلام إلى أنه ينتظر الأموال الدولية والمساعدات لإطلاق عجلة إعادة الإعمار. ولكن ماذا يمكن أن يحقق المليار دولار في هذا الملف؟ بحسب البنك الدولي، تبلغ قيمة الأضرار المباشرة للحرب 6.8 مليارات دولار، موزعةً على عدد من القطاعات. وأهم القطاعات المتضرّرة هو قطاع السكن، إذ يسيطر على نسبة 67% من الأضرار، بقيمة إجمالية تبلغ 4.5 مليارات دولار. وفي حال مقارنة الأموال المطلوبة للتعويض عن أضرار الحرب في القطاع السكني فقط مع الوفر المالي الذي يتحدّث عنه رئيس الجمهورية، نجد أنّه يشكّل نسبة 26.7%.
بمعنى آخر، يمكن للدولة الآن إعادة إعمار الضاحية الجنوبية كلّها لجهة ترميم وإعادة بناء الأبنية والشقق المتضرّرة أو المدمّرة، ما يعني إنشاء أو إعادة تأهيل 99 ألفاً و610 وحدات سكنية، بحسب تقرير «UNDP» عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب. ووفقاً للبنك الدولي تصل قيمة الأضرار على القطاع السكني في محافظة جبل لبنان، حيث الضاحية الجنوبية، إلى مليار دولار. أو يمكن دفع هذا المبلغ لدفع الأضرار التي وقعت على البيوت في محافظتي بعلبك الهرمل والبقاع، حيث تصل قيمة الأضرار فيهما إلى 859 مليون دولار، ويصل عدد الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة فيها إلى 16 ألفاً و822 وحدة.
وفي حال عدم رغبة الدولة بصرف هذا المبلغ على إعادة إعمار البيوت، يمكن للمليار دولار تغطية أكلاف إعادة تأهيل البنية التحتية بشكل شبه كلّي، بدلاً من التعويل على المساعدات والقروض الدولية. إذ تبلغ قيمة إجمالي المبلغ المطلوب لتعويض الأضرار على قطاعات الزراعة والتعليم والطاقة والصحة والمياه والنقل نحو 1.1 مليار دولار، أي أقل من الفائض الأوّلي في الخزينة الذي يتحدّث رئيس الجمهورية عن تحقيقه في السنة الماضية.



