مجزرة قروض السكن: 11.5% تعثّر

0

في نهاية حزيران 2020، بلغت نسبة الديون المتعثّرة 28.3% من أصل محفظة تسليفات قيمتها 69237 مليار ليرة. التدهور الأكبر في هذه المحفظة طاول قروض المقاولين والإنشاءات، أي تجار العقارات والمتعهدين، لكن الكارثة تكمن في ارتفاع نسب التعثّر في قروض السكن

بلغت نسبة الديون غير العاملة (المتعثّرة بالمفهوم الشائع) في نهاية حزيران 28.3%، مقارنة مع 16.8% في نهاية تشرين الأول 2019 و13.3% في نهاية حزيران 2019. خلال سنة واحدة، قفزت هذه النسبة بنحو 15 نقطة مئوية رغم أن محفظة التسليفات للقطاع الخاص انخفضت بقيمة تفوق 20 مليار دولار. منذ ذلك الوقت، ولغاية حزيران 2019 هناك نحو 19.8 مليار دولار من القروض التي سُدّدت مسبقاً قبل مواعيد استحقاقها؛ منها 91% قروض بالدولار، ما يعني أن الأزمة خلقت دينامية بموجبها أتيح للمقترضين تسديد الديون بالودائع. هذا الأمر يمكن تفسيره بأن المقترضين لم يكونوا بحاجة فعلاً إلى الاقتراض، إنما النظام المصرفي والنقدي القائم ــــ المنهار حالياً ــــ كان فيه ثغرات واسعة تسمح باستغلال الفروق بين الفائدة على الليرة والفائدة على الدولار للقيام بعمليات مضاربة تحقّق لهم أرباحاً سهلة انتهت بمجرّد تصفية العمليات. وهذا يعني أيضاً أنهم تمكنوا من الفرار من التداعيات التي فرضتها الأزمة، لا بل ربما كانوا أبرز المستفيدين منها لأنهم نفذوا عمليات غير بسيطة عبر تجارة الدولار النقدي والشيكات المصرفية بالدولار لتسديد قروضهم بثلث قيمتها السابقة.

رغم كل ذلك، تكمن المشكلة الأكبر في استمرار الأزمة مستمرّة وتداعياتها. نسب التعثّر لم تتوقف عند حدّ معيّن بعد، بل واصلت الارتفاع وواصلت التركّز. وبما أن ثلثي القروض هي بالدولار، فهذا يعني أن المشكلة ستزداد سوءاً. فمن استطاع تسديد قروضه خلال الأشهر التي تلت انفجار الأزمة منذ نهاية 2019 ولغاية صيف 2020، هو الجهة الأكثر قدرة على القيام بذلك، أما الذين لم يستطيعوا تسديد القروض، فهم الجهة الأقل قدرة أو التي تضرّرت إلى درجة عدم التسديد. فمن أصل محفظة بقيمة 69237 مليار ليرة، هناك تعثّر عن السداد بقيمة 19594 مليار ليرة يتوزّع بقيمة 13085 مليار ليرة على القروض المقوّمة بالدولار، و6428 مليار ليرة على القروض المقوّمة بالليرة. ومن أعلى نسب التعثّر هي تلك العائدة لقروض المقاولين والمتعهدين التي بلغت 47% موزّعة على نحو 10 آلاف مقاول ومتعهد عليهم ديون تفوق 10 مليارات دولار.

مشكلة القروض المتعثّرة بالدولار، هي في اتجاهين؛ فمن جهة تعني أن الزبائن لم تعد لديهم القدرة على التسديد بسبب الظروف الاقتصادية، ومن جهة ثانية تعني أن المصارف سيكون لديها مشكلة أكبر في تحصيل دولارات كافية لتكوين مؤونات في مواجهة الخسائر المتوقعة (يتوجب على المصارف أن تكوّن مؤونات بنفس عملية القرض). فمصرف لبنان لا يبيع المصارف ما يكفي من الدولارات لتغطية حاجات الزبائن وحاجاتها أيضاً، لكنه أتاح لها أن تستعمل 60% من رؤوس أموالها لشراء الدولار بشكل مؤجّل. المصارف كانت قد كوّنت مؤونات بقيمة 4.5 مليارات دولار، ما يعني أنه ينقصها مؤونات بقيمة تفوق 8 مليارات دولار. لذا، المصارف تشتري الدولارات بواسطة رساميلها، وهذا يعني أنه عندما يحين وقت إعادة التقييم، ستكون رؤوس الأموال بالدولار سنداً أساسياً في عملية احتساب نسب الملاءة. بمعنى آخر، هذه زيادة وهمية للرساميل مثلها مثل الفرق بين الدولار الحقيقي والدولار الوهمي. هذا الأخير هو الدولار الذي يبيعه مصرف لبنان للمصارف، وهو الدولار المحتسب اليوم في السوق بسعر 3000 ليرة إذا كان عبارة عن شيك مصرفي، أو 3900 ليرة ضمن سقف السحب المحدّد للودائع، أو محسوماً بنسبة 70% مقابل الدولار الورقي.

هذا التطوّر هو انعكاس للأزمة وللسياسات النقدية (إذا كان يمكن تسميتها سياسات نقدية) التي يستعملها مصرف لبنان في مواجهة الأزمة والتي تشمل تعددية أسعار الصرف وقيوداً غير شرعية على عمليات السحب والتحويل، والإسراف في طباعة النقد بالليرة، وهي تؤدي إلى انتقال الثروة من يد إلى أخرى.

لكنْ لهذه الأزمة انعكاس آخر أكثر وضوحاً في المجتمع: التعثّر في القروض السكنية. هذه القروض هي في غالبيتها بالليرة اللبنانية، وبالتالي فإنه في ظل تدهور سعر الليرة مقابل الدولار بات الأجراء يخسرون وظائفهم وتقلصت قدرتهم على السداد إلى حدودها الدنيا، حتى إنه لم يعد بإمكانهم سداد الأقساط الشهرية لمسكنهم الأساسي. كانت نسبة التعثّر في القروض السكنية من الأدنى. في عام 2018 كانت تبلغ 3.2%، ثم ارتفعت تدريجياً إلى 4.7% في أيلول 2019، ثم 5.2% في تشرين الثاني 2019 وباتت اليوم تفوق 11.5%. هناك أكثر من 125 ألف قرض سكني، منها نحو 70 ألف قرض عبر المؤسسة العامة للإسكان، أي أنها قروض صغيرة لمن يصنّفون محدودي الدخل. وهذا المستوى من التعثّر يعني أن هناك أكثر من 14 ألف قرض متعثّر. وهناك ترجيحات بأن الأمور متفاقمة أكثر، لأن المصارف تعمل على إعادة جدولة الكثير من القروض، وهي لا تصنّف الزبائن الذين تخلّفوا عن سداد أكثر من 6 دفعات متتالية متجاهلة معايير المحاسبة الدولية. أصلاً، لم يصدر أي تقرير تدقيق يشير إلى أن المصارف التزمت بهذه المعايير، ولا يتوقع أن تلتزم المصارف بها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here