الرئيسية اقتصاد لبنان مجلس الوزراء شاهد زور: هبة المازوت العراقية نموذجاً

مجلس الوزراء شاهد زور: هبة المازوت العراقية نموذجاً

يدرس اليوم مجلس الوزراء ملفاً مرفوعاً من وزير الطاقة جو الصدّي من أجل تقرير التصرّف في هبة المازوت العراقية البالغة 940 ألف ليتر من المحروقات. لكنّ المعلومات التي انتشرت في الأسبوع الماضي، تشير إلى أنه جرى التصرّف في هذه الهبة من دون أي موافقة، بل بقرار من الصدّي ومنشآت النفط التي باعت كميات من المازوت غير المُطابِق للمواصفات لعدد من التجار على مدى يومين كاملين. ورغم نفي المنشآت حصول هذه الواقعة، إلا أن مصادر مطّلعة، تعيد التأكيد أنه جرى بيع كميات من هذه الهبة بأسعار أدنى من السعر الرائج.

عملياً، ستكون موافقة مجلس الوزراء لزوم ما لا يلزم على خطوة بدأ تنفيذها قبل إبلاغه بالملف. لكن لا شيء يدعو إلى الاستغراب، فهذا ما يحصل عادة في الدول «العميقة»، حيث تُنفّذ القرارات أولاً ثم تُرسل لاحقاً إلى المؤسّسات لإضفاء الشرعية عليها.

ففي الجلسة الحكومية اليومَ، لن يناقش الوزراء فعلياً ما إذا كان يجوز التصرّف في هبة المازوت العراقية أو بيعها، بل سيكون الاجتماع أقرب إلى محاولة متأخّرة لتغطية مسار بدأ وانطلق خارج مجلس الوزراء نفسه. وإذا صحّت هذه المعطيات، فإن وزير الطاقة يحوّل مجلس الوزراء إلى شاهد زور.

بحسب الملف المرفوع إلى مجلس الوزراء، فإنه بتاريخ 19 أيار 2026، وجّه وزير الطاقة جو الصدّي كتاباً إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، طالباً إدراج ملف «الهبة العراقية» على جدول أعمال أول جلسة حكومية «لاتخاذ القرار المناسب». ويشير الكتاب، إلى أن الكميات المُخزّنة في منشآت النفط في الزهراني تبلغ نحو 940 ألف ليتر من المحروقات، وقد حصل عليها لبنان من العراق ووصلت إلى لبنان برّاً، على شكل هبة لمساعدة ودعم النازحين اللبنانيين.

ويطلب الكتاب بيع هذه الكميات بسعر مُخفّض يراوح بين 100 و150 دولاراً أميركياً لكل كيلوليتر مقارنة مع الأسعار المُحدّدة في جدول تركيب الأسعار لشركات مستعدّة لتسويق الكميات وبشرط ألّا تباع الكميات للمؤسسات والإدارات العامة أو محطات المحروقات أو أصحاب المولّدات بل بيعها فقط لصالح الصناعيين والأفران.

ملخّص الملف المعروض على المجلس، يتضمّن أيضاً كتاباً وجّهته منشآت النفط في الزهراني للوزير، تشير فيه إلى أنّ الكميات العراقية أودعت لديها «على سبيل الإيداع»، وأنّ الفحوصات التي أُجريت في مختبرات معهد البحوث الصناعية وفي المختبر المركزي للمنشآت أظهرت أنّ المادة «غير مُطابِقة» لمواصفات الغاز أويل المُستخدم في مؤسسة كهرباء لبنان، كما أنّها لا تطابق مواصفات الديزل أويل 10 PPM المُعتمد للآليات والمركبات في السوق المحلية. وهذا هو السبب الذي يدفعها إلى التعامل مع هذه الكميات بطريقة السعر المُخفّض وبيعه للأفران والمصانع حصراً.

في المبدأ، إن وجهة الهبة هي مساعدة النازحين، وليس مساعدة تجار المحروقات ومنشآت النفط، وهذا ينطوي على دلالة عميقة على سلوك الوزارة تجاه النازحين، وعلى استخفافها بالتعامل مع هذه الأزمة الهائلة في ظل وجود أكثر من مليون نازح ربعهم يقطنون في المدارس ويكاد يكون الاهتمام الرسمي بهم معدوماً. فالكتاب المرفوع إلى مجلس الوزراء لم يحدّد كيفية استفادة هؤلاء من هذه الهبة، وهل ستقوم وزارة الطاقة باستئجار غرف فندقية لهم في الناتج من المبيعات؟ أم هل ستستأجر لهم منازل ليتوقّف ناعقو السعار الطائفي عن تسويق كلام عن احتلال المدارس وبيروت؟ أم هل ستستعمل هذه الأموال الناتجة من المبيع لتشتري لهم أثاثاً؟ أم ستوزّع عليهم دفعات مالية؟ السؤال الذي يُفترض أن تطّلع عليه الحكومة العراقية وسفارتها في لبنان هو كيف سيستفيد النازحون من الهبة؟ وهل سيتم تحويل الهبة إلى صفقة تجارية فارغة من إطارها الإغاثي؟

وبحسب فيديوات، وبالاستناد إلى مُعطيات مصدرها تجار المحروقات في السوق المحلية، فإن منشآت النفط التي استقبلت الكميات «على سبيل الإيداع» فتحت باب بيع كميات من المازوت بسعر مُخفّض لمدة يومين، فهل كانت تبيع المازوت الذي تشتريه هي بخسارة؟ أم أنها كانت تبيع مازوت الهبة العراقية؟ وهذا الأمر يستوجب إجراءَ تحقيقٍ وتدقيقٍ مالي، وربّما تدقيق مالي جنائي، للاطّلاع على الكميات التي بيعت بأسعار مُخفّضة ومن اشتراها ومن باعها وبأي قرار وبأي سند قانوني قام بذلك، والخسارة التي تكبّدتها المنشآت من بيع النفط بأسعار مُخفّضة فيما الأسعار العالمية في ارتفاع.

ثمّة مسألة مهمة أيضاً، وهي تتعلق بمواصفات المازوت الذي تطلب منشآت النفط ووزير الطاقة بيعه بسعر مُخفّض؛ فهل تسهيل بيع كميات من المازوت من غير المواصفات اللبنانية مسموح للصناعة ولا يلوّث البيئة، بينما هو أمر مُلوِّث للبيئة إذا بيع للمؤسسات العامة ولمحطات المحروقات؟ هل تقوم وزارة الطاقة، بكل جهابذها الآتين من شركات عالمية، بخفض الأسعار وبتعديل مقصد الاستعمال؟ أليس استعمال المازوت غير المُطابِق للمواصفات مُلوِّثاً للبيئة في دواخين الأفران وسائر المصانع مثل عوادم السيارات الخاصة وتلك المملوكة من القطاع العام؟ ألَا يجب على وزيرة البيئة تمارا الزين أن تقدّم لوزير الطاقة درساً في الحفاظ على البيئة؟

كل هذه المسائل لم تهتم لها وزارة الطاقة ولا منشآت النفط، بل كان جلّ همها، بحسب الكتاب المرفوع إلى مجلس الوزراء، تحديد آلية التصرّف في العائدات، إذ طلبت أن تحوّل الأموال المُحصّلة إلى الجهة الرسمية المختصّة بعد اقتطاع ما قالت إنّه «التكاليف التشغيلية» التي تكبّدتها المنشآت، والتي قدّرتها بنحو 60 ألف دولار أميركي.

وبالفعل، تبنّى كتاب الوزير عملياً اقتراح منشآت النفط، طالباً من مجلس الوزراء الموافقة على قبول الهبة العراقية، والتخفيض المُقترح للأسعار وآلية تحويل الأموال في حال تمّت الموافقة على البيع. وهذا يدل على أنّ الملف كان يسير منذ البداية باتجاه إيجاد غطاء رسمي لمسار بيع جرى التحضير له إدارياً ومالياً بشكل شبه مكتمل، وربما كان قد بدأ تنفيذه على الأرض حينها وجاءت هذه الكتب لإضفاء الطابع الرسمي فقط.

فما هو متداول بين التجّار، أن عملية البيع تمّت بالفعل، وبالتحديد جرى بيع تنكة المازوت الأحمر بسعر 22.40 دولاراً، أي أقل من سعرها المُعتاد البالغ 23.60 دولاراً. أي إنّ البيع انطلق قبل أن يقرّ مجلس الوزراء آلية التصرف في الهبة أو يمنح موافقته الرسمية عليها.
وهنا تحديداً تكمن خطورة ما حصل. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمادة «غير مُطابِقة للمواصفات»، بل بتحوّل مجلس الوزراء من سلطة يُفترض أن تتخذ القرار إلى جهة تُستدعى لاحقاً لتغطية قرار اتُّخذ ونُفّذ مُسبقاً. فالحكومة لن تناقش ما إذا كان التصرّف في الهبة قانونياً أو منسجماً مع الغاية التي قُدّمت من أجلها، بل سيوضع الملف أمامها بعدما كانت الكميات قد دخلت فعلياً في مسار البيع والتصريف، ليصبح مجلس الوزراء مجرّد «مُصدِّق» معاملات.

مصدرجريدة الأخبار - زينب بزي
المادة السابقةجمعية الصحة العالمية تبنت قرار حماية الرعاية الصحية في لبنان
المقالة القادمةأكثر من 56 ألف هكتار من الأراضي الزراعية تضرّر نتيجة العدوان الإسرائيلي