في ظل الأزمات المستمرة في لبنان، تلوح في الأفق أزمة جديدة قديمة تتعلق بالمحروقات، فمن منا ينسى مشاهد طوابير الذل أمام محطات المحروقات، منذ بدء الأزمة الاقتصادية في لبنان في العام ٢٠١٩ ، بسبب التخوف من عدم توافر المحروقات.
يومذاك كان سبب هذه الأزمة عدم فتح مصرف لبنان الاعتمادات للشركات، لاستيراد البنزين في ظل شح الدولارات، مما قلّص من نسبة الاستيراد، وبالتالي من نسبة التوزيع على المحطات. من دون أن ننسى أن التهريب الى سورية يؤدي دورا أساسيا في اختفاء المادة من السوق اللبنانية. فالدعم الذي كان موضوعا على البنزين والمازوت من جيوب المواطنين، جعل هاتين المادتين عرضةً للتهريب.
أما اليوم فسبب الأزمة يختلف كليا عن السابق، فأصحاب محطات المحروقات يلوحون بالإضراب وإقفال المحطات، احتجاجا على عدم تلبية وزارة الطاقة لمطالبهم، سيما فيما يتعلق برفع الجعالة.
فيما اكتفت مصادر وزارة الطاقة بالقول إن “الوزارة منذ اليوم الأول استمعت لمطالب أصحاب المحطات، ورفعت جزءا من الجعالة، وأبوابها كانت مفتوحة دائما أمامهم، وقامت بما يمكنها، من أجل تلبية مطالب أصحاب المحطات وتحسين أوضاعهم، وعقدت عدة اجتماعات معهم”، كاشفة عن “اجتماع قريب سيعقد بين وزير الطاقة و أصحاب المحطات، للبحث في المطالب وإمكان تلبيتها”.
مطالب النقابة و الخطوات التي ستتخذها
من جهته نقيب أصحاب محطات المحروقات الدكتور جورج البراكس شرح لـ “الديار” مطالب النقابة والخطوات التي ستتخذها، إضافةً إلى اتجاه أسعار النفط العالمية وأسعار المحروقات في لبنان. فيقول البراكس: “نشهد عدم ثقة في الأسواق الدولية في ما يتعلق بأسعار النفط، ولذلك رأينا أن سعر برميل النفط ارتفع بحدود ٦٦ دولارا، عندما هدد الرئيس الأميركي دونالند ترامب بقصف إيران، ثم عاد وانخفض في اليوم التالي دولارا ونصفًا، بعد تريث ترامب في شن الضربة لإيران”.
ولفت إلى “أن هناك عدم ثقة لدى المستثمرين في الأسواق الدولية، وهناك شك بوجود قرار نهائي بعدم توجيه الضربة على إيران، وهذا يؤدي إلى تخوف من حصول ردات فعل على البدان النفطية في الخليج، وعلى القواعد العسكرية الأميركية، والتخوف الأكبر من إقفال خطوط الإمداد، سيما في باب المندب في كرمز على البواخر النفطية”.
كل هذه الأمور وفقا للبراكس “تؤدي إلى بقاء أسعار النفط في مستوى عالٍ بالرغم من توافر الكميات الموجودة في الأسواق الدولية، وهذا يبشر بأننا سنشهد في الأيام المقبلة المزيد من الارتفاعات في أسعار النفط، سيما اذا استمر الوضع على المستوى الجيوسياسي الدولي.
ولفت إلى أمر إيجابي تجلى “بتراجع أسعار المحروقات في لبنان من منتصف تشرين الثاني إلى اليوم، حيث كان سعر صفيحة المازوت في ٢٥ تشرين الثاني مليون و ٤٦٠ ألف ليرة ، أما اليوم فأصبح سعرها مليونا و ٢٤٢ ألفا، أي تراجعت ٢١٨ ألف ليرة، أي ١٢٢ دولارا على الألف ليتر مازوت”، معتبرا أن “هذا أمر جيد إذ خففت كلفة التدفئة على المواطنين، الذين يسكنون في المناطق الجبلية”.
وفي ما يتعلق بالكميات أكد أن “الكميات متوافرة إن كان من البنزين او المازوت أو الغاز في الأسواق اللبنانية، وهي تغطي حاجات السوق وأكثر”.
نحن في طور تنفيذ كل الوعود
وعن النقابة قال: “نحن في طور تنفيذ كل الوعود التي أطلقناها منذ تولينا النقابة، وبدأنا في أول ستة أشهر بتسوية وضع مركز النقابة، الذي كان إيجارا قديما وتم تجديد الإيجار في عقد جديد مع صاحب الملك لفترة ٨ سنوات، إضافةً إلى إعادة تأهيل للمركز، وفي الوقت نفسه نقوم بإعادة تنظيم لكل أمانات السر، كما سنطلق نظاما جديدا قريبا يتعلق بالعمل الألكتروني، الذي سيُحدِث العلاقة بين المنتسبين وأصحاب المحطات وبين النقابة، حيث يمكن تقديم طلبات الانتساب وإرسال المستندات المطلوبة ودفع الاشتراكات، وكذلك استلام أوراق الانتساب عبر الموقع الألكتروني”.
وفي موضوع المحاسبة أكد أنه سيكون هناك “محاسبة شفافة مع برنامج محاسبة جديد، أصبح جاهزا وتحت مراقبة مفوض المراقبة، بحيث تصبح كل الأموال التي تدخل إلى صندوق النقابة خاضعة لمراقبة شفافة” .
وعن علاقة النقابة مع أصحاب المحطات قال: “قمنا بجولات على وزراء الطاقة والداخلية والعمل والمحافظين، من أجل طرح ثلاثة مواضيع مهمة وهي: تراخيص المحطات والعلاقة مع وزارة الطاقة، سيما في ما يتعلق بجدول تركيب الأسعار والجعالة، التي هي العمولة على صفيحة البنزين لأصحاب المحطات، إضافةً إلى الشروط التنظيمية التي ترعى محطات المحروقات، وفي الوقت عينه تنظيم العمالة الأجنبية وعلاقتها مع وزارة العمل”.
وأشار إلى “اتفاق مع وزير العمل على فتح باب تسوية أوضاع العمال الأجانب، الذين لا يملكون إجازات عمل وأوضاعهم غير سليمة، شرط أن يقوم صاحب المحطة بطلب لتسوية أوضاع عماله، كما طالبنا بعدم تنفيذ شرط بأن يكون مقابل كل عامل أجنبي عامل لبناني، لأن أكثرية العمال في المحطات هم عمال أجانب، وكان هناك تجاوب من وزير العمل في هذا الموضوع”.
العلاقة مع وزارة الطاقة
وفي موضوع التراخيص لفت إلى “أن كل المحطات القديمة التي انتهت تراخيصها طلبنا منهم تقديم طلبات جديدة ، وسيكون هناك تسهيل لعملية تجديد التراخيص، ويبقى موضوع المحطات غير الشرعية التي ليس لديها رخص إنشاء، حيث سيكون هناك باب لتسوية أوضاعهم، أولا لجهة تسوية مخالفات البناء، ثم تطبيق الشروط التنظيمية من اجل الحصول على رخص استثمار”.
ويقول: “طلبنا من وزير الداخلية والمحافظين تمديد المهل، كي يكون لدى أصحاب المحطات الوقت الكافي لتسوية أوضاعهم”، مناشدا أصحاب المحطات “تقديم طلبات لتجديد الرخص وتسوية الأوضاع”.
وحول العلاقة مع وزارة الطاقة التي يشوبها عدد من المشاكل، حذّر من الذهاب باتجاه سلبي إذا لم تتجاوب وزارة الطاقة مع مطالب أصحاب المحطات، لأن الجعالة على صفيحة البنزين تبلغ اليوم ١،٢٦ دولار، بالرغم من التضخم الذي يرتفع بشكل كبير منذ العام ٢٠١٩”، مطالبا “برفع هذه الجعالة كي تتناسب مع الوضع الحالي”، لافتًا أنهم قدموا في شهر تموز كتابا إلى وزير الطاقة طالبنا فيه بتعديل هذه الجعالة، “ولم يفِ حتى اليوم بوعوده، و كذلك هناك تلكؤ في عقد اجتماعات بين الوزير والنقابة” ، لافتا إلى زيادة الحد الأدنى للأجور، بحيث ارتفع راتب العامل الأجنبي ١٤ مليون ليرة.
وناشد وزير الطاقة “إيجاد مخرج للمشكلة، وتعديل العمولة إلى ٣ دولار على الأقل، كي يتمكن أصحاب المحطات من دفع الزيادات، من زيادات الحد الأدنى للأجور ورسوم الضمان ورسوم بلدية و فواتير الكهرباء”، لافتا الى “أن الكلفة التشغيلية تضاعفت عدة أضعاف، ولذلك على وزارة الطاقة أن تتجاوب معنا”.
ويهدد انه في حال لم تتجاوب وزارة الطاقة مع مطالب أصحاب المحطات، سنتخذ مواقف سلبية قد تصل إلى التوقف عن العمل والإضرابات وعودة الطوابير”، كاشفا عن “عقد اجتماع موسع للمجلس التنفيذي لنقابة أصحاب المحطات، من أجل وضع خطة طوارئ ودراسة كيفية التعاطي مع وزارة الطاقة إذا لن تلبي مطالبنا”.
سنستمرّ في اتصالاتنا قبل اللجوء الى التصعيد
ووفقاً للبراكس، “لا يجوز التعاطي مع قطاع حيوي كمحطات المحروقات بهذه الطريقة، ولا يمكن لوزارة الطاقة أن تقفل أبوابها بوجهها”، داعيا “للتعاون ببن الفريقين من أجل تحسين كل الأمور التي لها علاقة بالمحطات، إن كان من شروط السلامة العامة أو الشروط التنظيمية، إضافة إلى الجعالة وأمور أخرى، فمن المفترض أن نكون كأصحاب محطات المستشار الثاني لوزير الطاقة، من أجل التباحث في شؤون وشجون محطات المحروقات”.
وإذ استغرب تجاهل وزارة الطاقة لمطالب أصحاب المحطات وإقفال أبواب الوزارة بوجههم، قال: “سنستمر في اتصالاتنا مع الوزارة قبل اللجوء إلى التصعيد، لأني شخصيا ضد التصعيد، لأن البلد لا يحتمل المزيد من الأزمات، ولكن أصحاب المحطات لديهم عائلات، ولا يمكنهم الاستمرار في هذا الوضع.



