أظهرت اقتصادات دول الخليج قدرة متفاوتة على احتواء تداعيات الحرب، مستفيدة من سنوات من الإصلاحات، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير مسارات بديلة لتصدير النفط رغم الهجمات التي طالت منشآت للطاقة، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
وتتباين قدرة دول المنطقة على احتواء تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، بالنظر إلى اختلاف أوضاعها المالية والجغرافية التي جعلت لكل دولة مستوى مختلفا من التحمل والمواجهة.
وساعد تحسن مناخ الأعمال، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها دول الخليج خلال السنوات الأخيرة، في الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية.
كما لم تشهد التصنيفات الائتمانية المعلنة لبعض دول الخليج تغيرات جوهرية، رغم اضطرابات سلاسل الإمداد والمخاوف المرتبطة بحركة التجارة والطاقة في المنطقة.
وتوضح المؤشرات تفاوت تأثير الحرب على دول المنطقة، إذ توقع صندوق النقد الدولي أن تحقق سلطنة عُمان نموا بنسبة 3.5 في المئة خلال 2026، والسعودية والإمارات 3.1 في المئة لكل منهما.
في المقابل تتوقع المؤسسة الدولية المانحة انكماشا قدره 0.6 في المئة في الكويت ونصف نقطة مئوية في البحرين ونحو 8.6 في المئة لقطر التي تعتمد على إيرادات الغاز الطبيعي المسال.
وفي السعودية على سبيل المثال، أعلنت الهيئة العامة للإحصاء نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 في المئة خلال الربع الأول من هذا العام على أساس سنوي.
وفي مؤشر آخر على استقرار أكبر اقتصاد عربي أظهرت بيانات الهيئة الأربعاء استقرار معدل التضخم السنوي عند 1.8 في المئة خلال يونيو، ليواصل تسجيل مستويات منخفضة مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
ويعزو الخبير الاقتصادي السعودي محمد رمضان تفاوت قدرة دول الخليج على مواجهة تداعيات الحرب إلى اختلاف أوضاعها المالية والاقتصادية، وما تمتلكه كل دولة من بدائل لتجاوز الأزمة.
وقال، في حديث لوكالة الأناضول، إن “اقتصادات دول الخليج مختلفة، ولكل اقتصاد ظروفه الخاصة”. واعتبر أن هناك دولا يمكن أن تتجاوز هذه الأزمة بالنظر إلى وضعها المالي الممتاز.
وأضاف “هناك دول وضعها المالي ممتاز، بل يمكن القول إنه استثنائي، مثل قطر والإمارات والكويت، فهي تتمتع بأوضاع مالية قوية واحتياطيات مالية كبيرة، ما يمكنها من تجاوز هذه الأزمة دون أي إشكال يذكر”.
ولفت إلى أن الاقتصاد يشهد نموا مستمرا، وفي الوقت نفسه تمتلك الحكومة السعودية القدرة على تصدير النفط واستقبال السلع والبضائع عبر موانئ أخرى على البحر الأحمر.
ويرى رمضان أن السعودية لم تتضرر كثيرا من إغلاق المضيق، بل على العكس، استفادت من ارتفاع أسعار النفط، واستمرت في تصدير النفط عبر منفذها على البحر الأحمر، إضافة إلى استمرار حركة البضائع وغيرها. وأوضح أن “ضرر الأزمة كان محدودا، بل يمكن القول إنها استفادت من ارتفاع أسعار النفط”.
أما بالنسبة إلى سلطنة عُمان، فأوضح الخبير الاقتصادي أنها لم تتضرر كثيرا، لامتلاكها سواحل ومنافذ بحرية خارج مضيق هرمز.
وتابع “كما أن لديها إمكانيات لتصدير منتجاتها خارج هذا المضيق، إضافة إلى أن علاقاتها السياسية مع إيران تُعد الأفضل بين دول مجلس التعاون الخليجي الست”.
وفي المقابل رأى رمضان أن البحرين هي الدولة الأكثر تضررا بسبب الظروف الحالية. وأضاف أن التهديدات الأمنية المتكررة للبحرين “تؤثر بشكل كبير في الأمن والاستقرار بصورة يومية ومتواصلة، ما يفرز العديد من الإشكالات”.
الناتج الإجمالي لدول المنطقة في 2026
• 3.5 في المئة نمو اقتصاد سلطنة عمان
• 3.1 في المئة نمو اقتصادي السعودية والإمارات
• 0.6 في المئة نسبة انكماش اقتصاد الكويت
• 0.5 في المئة نسبة انكماش اقتصاد البحرين
• 8.6 في المئة نسبة انكماش اقتصاد قطر
* صندوق النقد الدولي
وإضافة إلى ذلك يعتقد الخبير أن “الوضع المالي للبحرين يعد من الأضعف بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما زاد من تأثير هذه الأزمة عليها”.
ويشير هذا التباين، وفق رمضان، إلى أن قدرة دول الخليج على مواجهة تداعيات الحرب ارتبطت بحجم احتياطاتها المالية، وتنوع منافذها التجارية، ومستوى اعتمادها على مضيق هرمز.
ومنذ اندلاع الحرب عملت دول خليجية على تصدير جزء من نفطها بطرق بديلة دون المرور عبر مضيق هرمز، مثل السعودية التي استخدمت خط أنابيب شرق – غرب الواصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وأنشأت السعودية الخط في أوائل ثمانينات القرن الماضي، إلا أن أهميته تعززت مع اندلاع الحرب وما ترتب عليها من اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
ويرى رمضان أن الأزمة الحالية في المنطقة مؤقتة وليست دائمة، وقد تستمر شهورا لا سنوات. واعتبر أن الخروج منها يتطلب تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وإيجاد مسارات بديلة، كما فعلت السعودية.
وبيّن أن “دولا مثل الكويت والبحرين وقطر تحتاج إلى الاستفادة من الممرات البديلة المتاحة عبر السعودية”.
وأضاف “يجب أن تكون هناك بنية تحتية تسهل نقل البضائع والنفط والغاز وغيرها عبر خطوط الأنابيب والطرق وشبكات الخدمات اللوجستية التي تمر عبر بحر العرب أو البحر الأحمر”.
ودعا إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز حتى لا يشكل إغلاقه تهديدا كبيرا، وبالتالي يفقد استخدامه كورقة ضغط.
ولفت إلى ضرورة أن تعمل جميع دول الخليج على تقليل اعتمادها على هرمز من خلال استخدام المسارات البديلة. وقال إن “لديها مشاريع وخطط بنية تحتية لهذا الغرض، قد يستغرق إنجازها عدة سنوات”.



