موازنات «شلف» أرقام في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي

لا تعكس الأرقام الواردة في موازنة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تقديرات مالية مبنية على أسس متينة، بل مجرّد ترجيحات غير مدروسة تعتمدها إدارة الضمان للقول إنّها أعدّت موازنة. بمعنى أوضح، أعدّت موازنة «شلف» أرقام. وهذا ما أظهرته المقارنة التي أجرتها اللجنة الفنيّة في دراستها التحليليّة لمشروع موازنة الضمان لعام 2026، إذ قامت بتحليل نتائج موازنة 2025 وتبيّن لها أنّ هناك فروقات شاسعة بين التقدير والتنفيذ.

إن كان تحقيق الفوائض «أمراً محموداً» في الشركات، إلا أنّه في مؤسّسة مثل الضمان الاجتماعي لا يعبّر إلا عن خفض التقديمات وحجبها عن المضمونين وفق نظام يعتمد على حساب الدفق النقدي، أي إن الفوائض لا تعكس تحسناً بنيوياً. وهذا ما يظهر واضحاً في تحليل النتائج المالي لعام 2025 مقارنة مع موازنة 2025 التي تكرّر فيها الفائض في مختلف الفروع من دون أيّ تحسّن في التقديمات الصحية والعائلية ونهاية الخدمة.

موازنة فرع المرض والأمومة
في فرع المرض والأمومة المعني بشكل أساسي بتغطية المضمونين صحياً داخل وخارج المستشفيات «ظهرت فروقات كبيرة بين ما هو مقدّر في موازنة عام 2025 وبين ما هو متحقّق فعلياً»، إذ قدّرت الإدارة اشتراكات القطاع الخاص بـ181 مليون دولار، ولكنّ تحصيلها كان أعلى بنسبة 67% وبلغت 302 مليون دولار، فتحوّل العجز الذي قدّرته الإدارة بـ104ملايين دولار بين الإيرادات والنفقات لعام 2025، إلى فائض فعلي بلغت قيمته 322 مليون دولار.

إنّما لم ينعكس الفائض المحقّق في 2025 بشكل إيجابي على التقديمات الصحية أو نفقات الفرع. إذ تظهر دراسة النتائج فجوة واسعة نسبتها 77% في تقديمات العناية الطبية، والتي سجلت تراجعاً حاداً عن المقدر في موازنة عام 2025 بـ223.4 مليون دولار، وبلغت 50.6 مليون دولار فقط. وتكرّر سوء التقدير هذا في بند التقديمات الطبية خارج المستشفيات أيضاً، إذ توقعت إدارة الضمان أن تصل إلى 113 مليون دولار في عام 2025، ولكنّها لم تتجاوز سقف 17 مليون دولار.

لا تعكس الفوائض المالية انخفاضاً في تكلفة الخدمات الطبيّة بل ترتبط بعدم تقديم بعض الخدمات

لذا لفتت اللجنة الفنية إلى أنّ التباين بين المقدّر في موازنة عام 2025 والنتيجة الفعلية لا يعكس انخفاضاً في تكلفة الخدمات الطبيّة، بل يرتبط بعدم تقديم بعض الخدمات، أو تأخر إدارة الضمان في سداد المستحقات المتوجبة، أو عدم تعديل أسعار الخدمات لتتماشى مع الأسعار السائدة في السوق.

موازنة فرع تعويض نهاية الخدمة
التفاوت في التقدير هذا يظهر في كلّ فروع الضمان. إلا أنّ وقعه المالي الأكبر على أموال ومدخرات المضمونين في فرع تعويض نهاية الخدمة، إذ قدّرت الإدارة تحصيل إيرادات على شكل اشتراكات وتسويات نهاية خدمة في عام 2025 قيمتها 289.5 مليون دولار، لكنّ المبلغ المحصّل بلغت قيمته 465 مليون دولار، أي بزيادة نسبتها 38%. عملياً، الإدارة لم تحسن تقدير الإيرادات بشكل حقيقي.

وهذا قد يعود إلى سوء التقدير، أو إلى تقصّد خفض التقديرات لتقديم معطيات مغلوطة إلى مجلس الإدارة والرأي العام. فعلى سبيل المثال قُدّرت قيمة الاشتراكات المحصلة لعام 2025 بقيمة 209 ملايين دولار، بينما وصلت قيمتها المحصلة إلى 313 مليون دولار، كما ارتفعت قيمة بند تسويات نهاية الخدمة للقطاع الخاص من 81 مليون دولار إلى 152 مليون دولار، فيما لم تدفع تقريباً الدولة التسويات المستحقة عليها، إذ سجلت انخفاضاً حاداً بنسبة 95%.

وما يعكس الخلل العميق في طريقة تعاطي إدارة الضمان مع الإيرادات والنفقات في فرع تعويض نهاية الخدمة هو اعتمادها على مبدأ مفاده أنّ تسويات نهاية الخدمة تساوي نصف قيمة التعويضات. بينما، وبحسب اللجنة الفنيّة، تقدّر تعويضات وتسويات نهاية الخدمة بالاستناد إلى دراسة شاملة تتضمن الحسابات الفرديّة للمضمونين، وتوزيع التعويضات وفق حالات الاستحقاق مثل بلوغ السن القانونية، أو بلوغ 20 سنة خدمة، وغيرها من الحالات المحدّدة قانوناً.

موازنة فرع التعويضات العائلية
أما في فرع التعويضات العائلية، فرأت اللجنة الفنية في الفائض المحقق الذي بلغت قيمته 4.1 آلاف مليار ليرة أنّه يعبر عن أثر التضخم وانهيار سعر الصرف، أكثر مما يعكس تطوراً إيجابياً في بنية إيرادات ونفقات الفرع.

ولتبيان الأخطاء والألاعيب المحاسبية التي تقوم إدارة الضمان بها، قامت اللجنة الفنية بإعادة تقييم نتائج الفرع بالدولار وفق سعر الصرف الفعلي لكلّ سنة، فتبيّن أنّ العجز في فرع التعويضات العائلية في عام 2010 بلغ ذروته ووصلت قيمته إلى 257 مليون دولار.

وعند تغيّر سعر الصرف عام 2019، انخفض إلى 32 مليون دولار، ومع تعمق الانهيار النقدي والمصرفي تحوّل العجز إلى فائض في عام 2021، وبلغت قيمته 10 ملايين دولار، ثمّ أصبحت 46 مليون دولار عام 2024.

لذا، وصف تقرير اللجنة الفنية هذا الفائض بـ«النتيجة المباشرة لانهيار سعر الصرف»، والذي أدّى إلى «تآكل القيمة الحقيقية للعجز المتراكم». ما يعني أنّ العجز لم ينخفض، وأنّ إدارة الضمان تبيع الأوهام، بكلّ بساطة تراجعت قيمة العجوزات نتيجة الانهيار النقدي والمصرفي وما تبعه من تراجع حاد في قيمة الليرة.

مصدرجريدة الأخبار - فؤاد بزي
المادة السابقةاللجنة الفنية في الضمان: 9.8 مليارات دولار طارت من مدّخرات العمال
المقالة القادمةخسائر الصندوق أرباح عند الدولة