عندما نتحدّث عن وسيلة قانونية لحفظ حقوق الدولة وأموالها، فإننا حكماً نتحدّث عن “قطع الحساب”، الذي لا يختلف اثنان على دوره كضمانة للمالية العامة. وللأسف، فإنّ الحسابات المالية للدولة افتقدت على مدى سنوات وسنوات لهذه الأداة الدستورية التي تخوّل السلطة التشريعية من ممارسة دور رقابي على الإنفاق الحكومي. وللإشارة، فإنّ المادة 87 من الدستور قالت كلمتها في هذا الصدد. “حسابات الإدارة المالية لكل سنة يجب أن تعرض على البرلمان ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التي تلي تلك السنة”. فإذا عمدنا الى إقرار موازنة عام 2019، فإنّ الدولة مُطالبة بتقديم قطع حساب عام 2017 وتحويله إلى ديوان المحاسبة. وهو الأمر الذي لم يتحقّق منذ عام 2003، إذ إنّ لبنان أقرّ موازنة عام 2005، وقدّم قطع حساب عام 2003، كآخر قطع حساب، لتبقى مالية الدولة بلا موازنة 12 عاماً، قبل أن تُقر موازنة عام 2017، بعد سنوات من الصرف وفق القاعدة “الاثنتي عشرية”.

 

حينها أضيفت مادة الى مشروع الموازنة تنص على ما يأتي: “على سبيل الاستثناء ولضرورات الانتظام المالي العام، يُنشر هذا القانون (قانون الموازنة) وعلى الحكومة إنجاز عملية إنتاج جميع الحسابات المالية المُدقّقة منذ 1993 حتى سنة 2015، ضمناً خلال فترة لا تتعدّى السنة اعتباراً من تاريخ نفاذ هذا القانون، وإحالة مشاريع قوانين قطعها الى مجلس النواب عملاً بالأصول الدستورية والقانونية المرعية”. هذه المادة أقرت في أيلول 2017، ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم لم تف الدولة بالتزاماتها، ولم تُجر هذه الحسابات التي تعهّدت بها. اليوم، ومع استحقاق إنجاز موازنة عام 2019، سيعود الحديث حُكماً عن استحقاق قطع الحساب. فما السيناريوهات المطروحة أمام الدولة في هذا الصدد؟.

 

مصادر متابعة لملف المالية العامة تؤكّد في حديث لموقع “العهد الإخباري” أنّ إجراء قطع حساب الأعوام الماضية “سيفضح” بما لا يقبل الشك الكثير من عمليات الغش والفساد، وصرف أموال بلا وجه حق. وبالتالي فإنّ أمام الدولة اللبنانية خيارين أحلاهما مر. إما أن يذهب الأفرقاء السياسيون الى ما يُشبه التسوية، كأن يحال قطع حساب الأعوام الى ديوان المحاسبة الذي يعطي تبرير “رفع عتب”، ويعلن عن موافقته على كل الحسابات. بمعنى إعطاء المالية العامة “براءة ذمة”، وهذا ما قد لا يقبل به الحريصون على مكافحة الفساد. وإما أن نذهب الى كشف المستور، وتبيان الحقائق كما هي للرأي العام، ما يأخذنا الى مواجهة حقيقية لاستعادة الأموال المنهوبة. برأي المصادر، فإنّ تأجيل إنجاز قطع الحساب من عام الى عام، هو تأجيل “للمشكل” فقط لا غير.

 

صالح: أي قرش يُصرف في الخزينة بلا مستند فهو منهوب

 

المدير العام السابق للمحاسبة العامة في وزارة المالية أمين صالح يستهل حديثه بالإشارة أولاً الى أنّ قطع الحساب هو عبارة عن جدول يضم بنود الموازنة مع الصرف الفعلي لكل بند، مقارنة بما تم رصده. بمعنى آخر، هو جزء من حساب المهمة أي حسابات الدولة ويضم النفقات والواردات فقط في سنة الموازنة، ويكون مرفقاً بفواتير وإيصالات لكل “قرش” أنفق. وهنا يميّز صالح بين قطع الحساب وحساب المهمة بالإشارة الى أنّ الأخير يتضمّن كل حسابات الدولة من نفقات وواردات الى سلف وقروض وهبات، وكل ما يدخل ويخرج الى الخزينة العامة. يوضح صالح أنّ أي قرش يُصرف في الخزينة بلا مستند قانوني فهو منهوب حُكماً.

 

يقول صالح ما سلف، ليوضح أنّ إنجاز قطع الحساب هو موجب دستوري وممر إلزامي عند إنجاز أي موازنة، وهو ما كان على الدولة إنجازه قبل 15 آب 2018، إلا أنها لم تفعل. يتمنى المتحدّث أن يُصار الى صلح تاريخي مع المالية العامة عبر إنجاز قطع الحساب وإرساله الى ديوان المحاسبة، وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة وفقاً لما يقوله القانون الذي يُشكّل سلطة بوجه السلطة على ما يقول أحد القانونيين الكبار.

 

يُبدي صالح وجهة نظره فيما يخص الصرف حالياً، بعد أن انتهت مفاعيل القاعدة الإثنتي عشرية أوائل الشهر الجاري. برأيه، لا مسوّغ قانوني أو شرعي أو دستوري يسمح بالصرف والإنفاق، وعلى الدولة التوقف عن الصرف والجباية، وإقفال الإدارات الرسمية، ريثما يتم إنجاز الموازنة.

 

عجاقة: لا حجة مُطلقاً للهروب من قطع الحساب

 

يبدأ الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة حديثه بالتشديد على أنّه لا يجوز إقرار أي موازنة بلا قطع حساب. هذه مسلّمة بالمنطق الاقتصادي لا يجوز القفز عنها، ولا يمكن القبول بأي موازنة بلا قطع حساب، لأنه مناف للشفافية. يُشير الى نقطة مهمة، فقطع الحساب يكشف فعلياً حقيقة الدين العام في لبنان. وهو أداة دستورية تكشف وارادات ونفقات الدولة التي يجب وضعها أمام الرأي العام، أم السلطات. ويؤكّد عجاقة أنّه لا يمكن القبول اليوم بموازنة بلا قطع حساب. لا مبرّر لذلك. فعام 2017 كانت الذريعة بضرورة إنجاز موازنة تحت أي ظرف بعد 12 عاماً من اللاتوازن في المالية العامة. عام 2018 كانت الذريعة بضرورة انجاز الموازنة حفاظاً على صورة لبنان في مؤتمر “سيدر”. اليوم، لا حجة مُطلقاً، يُشدّد عجاقة الذي يوضح أنّ جميع الظروف السياسية مؤاتية، والمؤسسات الدستورية مكتملة المواصفات لوضع المالية العامة على السكّة الصحيحة وإنجاز قطع حساب الأعوام الماضية.

مصدرالعهد _ فاطمة سلامة
المادة السابقة“سامسونغ” تعرض هاتفا غير مسبوق قابلا للطي
المقالة القادمةوثيقة بيروت الانمائية