مرة جديدة يقع مياومو مؤسسة كهرباء لبنان ضحية نهج قائم على “تركيب الطرابيش” لتسيير مرافق الدولة على حساب المصلحة العامة. ورغم سنوات من المماطلة في تثبيتهم في ملاك مؤسسة كهرباء لبنان، يتعرّض المياومون راهناً لمحاولة جرّهم إلى التوقيع على براءة ذمّة تفيد بأنّهم أخذوا كامل حقوقهم ومستحقاتهم من الشركة المتعهّدة التي يعملون كمياومين تحت اسمها، بموجب عقد سنوي موقّع بينها وبين مؤسسة الكهرباء، ينصّ على “تقديم يد عاملة فنية للمساندة في أعمال الصيانة والاستثمار في معمليّ الذوق والجية الحراريين”. وفي حين أنّ ظاهر التوقيع هو إجراء إداري تقني، فإنّ تفاصيله تخفي ما هو أبعد.
جدول قبض
فوجىء المياومون قبل أيام باستدعائهم إلى مبنى مؤسسة كهرباء لبنان للتوقيع على جدول قبض رواتبهم عن عام 2025. على غرابته، استجاب عدد كبير من المياومين، فحَضروا للتوقيع. إلاّ أنّ بعضهم تنبّه لأمر خطير في الأوراق المطلوب توقيعها. وأفضى التدقيق فيها، إلى اكتشاف أنّها تتضمّن التوقيع على إقرار بأنّهم “أخذوا حقوقهم كاملة”، وفق ما جاء في بيان “لجنة العمال المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان”، والتي أشارت فيه إلى أنّ طلب التوقيع “أثار الدهشة لدى اللجنة والعمّال”، ذلكّ أنّه يتغاضى ويقفز فوق القانون، كما وفوق العامين 2023 و2024، إذ جرى خلال هذين العامين، وفق البيان “إعطاء قسم قليل جداً من هذه الحقوق، وليس لكافة العمال”. وأكّدت اللجنة أنّ ذلك مثبت بـ”وثائق موجودة في المؤسسة”. ومن ضمن الوثائق ما يثبت أنّ الشركة المتعهّدة اقتطعت بين 12 إلى 13 بالمئة من رواتب المياومين، بحجّة “الضريبة المالية”، وبعد إثارة الموضوع “طالبت المؤسسة باسترجاع الجداول لإعادة احتسابها ومعرفة قيمة الحسم. لكنّ ذلك لم يحصل حتى الآن”.
تقول مصادر من بين المياومين في حديث لـ”المدن”، إنّ ما يثير الغرابة أكثر، هو “صدور الجدول عن مؤسسة كهرباء لبنان التي تعلم أنّ المياومين لم يقبضوا كامل مستحقاتهم من المتعهّد، وتريد المؤسسة من هذا الجدول أن يكون براءة ذمّة للمتعهّد، وبذلك، تساهم المؤسسة بخسارة المياومين لمستحقاتهم المتراكمة”. وتشير المصادر إلى أنّ “المستحقات عن العام 2025 مدفوعة، ولكن هناك ما تراكم بين العامين 2023 و2024”. وتلفت المصادر إلى أنّ “اعتماد صيغة التوقيع على جدول القبض العائد للعام 2025، هدفه الإيحاء بأنّ المستحقات عن الأعوام السابقة، مدفوعة”.
ما يقوله المياومون ينفيه المشرف على اليد العاملة الداعمة في مؤسسة كهرباء لبنان، هاني قنطري، الذي يؤكّد لـ”المدن” أنّ الجدول المطلوب توقيعه “هو جدول الرواتب وليس براءة ذمة”. ويشير إلى أنّه “لا أحد يستطيع الطلب من المياومين التوقيع على براءة ذمة في حين أنّ العقد مع المتعهّد لم ينتهِ بعد”. ويوضح قنطري أنّ الجدول موضوع النقاش “هو نفسه الجدول الشهري التي يوقّعه المياومون في أماكن عملهم. وهذا الجدول مطلوب من المؤسسة وتحضّره مديرياتها المعنية”. وعليه، فإنّ الجدول المقصود، بحسب قنطري، هو الجدول الرسمي المعتمد من قِبَل المؤسسة، والذي يفترض به أن يتطابق مع الجدول الخاص بالمتعهّد، والذي يوقّعه العمال يومياً.
وللتأكيد أنّ الجدول المقصود ليس براءة ذمة، يلفت قنطري النظر إلى أنّ “الجدول عن الشهر الأخير في العام 2025، في حين أنّ براءة الذمة تعطى عند انتهاء العقد. وبذلك، فإنّ الجدول هو للتأكيد على أنّ رواتب العام 2025 تمّ قبضها”. علماً أنّ “مؤسسة الكهرباء لا تعطي المتعهّد براءة ذمّة إذا لم يكن قد دفع كامل مستحقات المياومين. وهناك كفالة مالية يضعها المتعهّد لدى المؤسسة، ولا يسترجعها إلاّ إذا دفع المستحقات”. كما أنّ إقفال حسابات العام 2025 لا يعني إقفال حساب المتعهّد بشكل نهائي.
التحضير للمناقصة
بين التأكيد والنفي، تبقى مسألة براءة الذمة حاضرة. ويزداد حضورها مع التحضير لمناقصة جديدة باتت قريبة. وأكثر ما يخيف المياومين، وفق المصادر، هو “تمرير موضوع براءة الذمة حتى لو لم يوقّع المياومون على أي جدول، وهو ما حصل في الأعوام السابقة، إذ لم نوقّع على أي جدول ولا أي براءة ذمة، ومع ذلك، كان المتعهّد يشارك بالمناقصة ويفوز بها”. وهنا تسأل المصادر “كيف أعطت المؤسسة براءة الذمة لشركة لم تعطِ المياومين مستحقاتهم، ولدى المؤسسة تقارير تؤكّد ذلك؟”.
ومع ربط مسألة التوقيع مع قضية مشاركة المتعهّد بالمناقصة الجديدة، تؤكد المصادر أنّ ما كان يفترض بالمياومين توقيعه، هو براءة ذمة، خصوصاً أنّ الجدول “يتضمّن التوقيع على أنّ المتعهّد دفع للمياوم مستحقات الضمان والمنح المدرسية، وهذا تفصيل غير موجود في جداول القبض الشهرية للرواتب، فلماذا ظهرت اليوم؟”.
وتكشف المصادر أنّ “مذكّرة خاصة وصلت إلى مدراء المحطّات ومعامل إنتاج الكهرباء، تفيد بوجوب توقيع المياومين، حتى آخر الشهر الجاري، على قبضهم جميع مستحقاتهم عن العام 2025. وهذه المذكّرة لم تُعَلَّق في أماكن العمل ليراها المياومون، ولذلك هي غير بريئة ولا تتعلّق بالطلب من المياومين التوقيع على جدول الراتب للشهر الأخير من العام الماضي”.
ترجّح المصادر أنّ “تمرير العامين الماضيين من دون توقيع المياومين براءات ذمة، لم يعد يمكن اعتماده اليوم بسبب التدقيق القضائي. وهذا ما دفع بالمديريات المعنية داخل المؤسسة، إلى الطلب من المياومين الحضور للتوقيع”. ولذلك، تطلب المصادر من الجهات الرقابية “تشديد التدقيق في هذا الملف، والعودة إلى السنوات السابقة للتأكّد من تهرّب المتعهّد من دفع المستحقات والإلتزام بشروط السلامة العامة التي ينص عليها دفتر شروط المناقصة، إن لجهة الالتزام بحصص الحليب المفترض توزيعها على العمال في المعامل للوقاية من التسمّم، أو لجهة الالتزام بتقديم الثياب والأحذية ذات المعايير الخاصة بالسلامة”.
أمّا تطمينات قنطري بالركون إلى الكفالة المالية التي بحوزة المؤسسة، أو إلى الحسومات التي تجريها المؤسسة على حساب المتعهّد في حال ارتكابه المخالفات، فهي برأي المصادر “تؤدّي إلى تعزيز مالية المؤسسة وليس إعطاء المياومين حقوقهم. في حين أنّ المطلوب هو تدخّل المؤسسة لإلزام المتعهّد بدفع المستحقات للمياومين بشكل فوري”.
نحو 287 مياوماً ينتظرون ما ستؤول إليه أحوالهم في المستقبل القريب، لكن التجربة السابقة لا تبشّرهم بالخير. فالشركة المتعهّدة لا تزال منذ العام 2023 تقضم مستحقاتهم من دون أي تدخّل من مؤسسة كهرباء لبنان، وهذا ما دفع المياومين إلى مناشدة وزير الطاقة جو الصدي التدخّل بوصفه وزير الوصاية على القطاع، كي لا يمرّ جدول الرواتب “الملغوم” ببراءة ذمة مخادعة، ويكون مدخلاً لمناقصة مخالفة ولا تستوفي الشروط.



