ميقاتي يلعب بالنار: أنسوا الخطة الماليّة الحاليّة

0

منذ ما قبل الانتخابات النيابيّة، لم تضع حكومة ميقاتي أي رهان على طاولة البحث، باستثناء الخطّة الماليّة التي جرى التفاهم عليها مع صندوق النقد. وعلى أساس هذه الخطّة، تمّ التفاهم على مستوى الموظفين بين الصندوق والوفد الحكومي المفاوض، وتم تحديد الشروط التي طلبها الصندوق قبل انتقال هذا التفاهم إلى اتفاق نهائي. ومنذ البداية، أعلنت المصارف الحرب على الخطّة، بعدما فرض صندوق النقد تحييد المال العام عن عمليّة التعامل مع خسائر المصارف. وهو ما دفع معظم الكتل النيابيّة قبل الانتخابات إلى إبداء التحفّظ على مندرجات الخطّة. وفي هذا الاستقطاب، تلقّف نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي كرة النار ودافع عن الخطّة الحكوميّة، فيما ناور رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ملوّحًا بإعادة النظر ببعض بنودها.

ميقاتي ينقلب على خطة حكومته

لكن ما جرى يوم الخميس، في اجتماع لجنة المال والموازنة، مثّل انقلابًا على كل هذا المسار (راجع “المدن”). “إنسوا الخطّة السابقة”، عبارة كررها ميقاتي عدّة مرّات في سياق النقاش، مع كل انتقاد كان يوجهه أي نائب للخطّة التي وافقت عليها حكومته. وفي المقابل، بدا أنّ ميقاتي قد تبنّى أفكاراً معاكسة تمامًا للمبادئ الأساسيّة التي قامت عليها خطتّه، من خلال التراجع عن مبدأ عدم استعمال المال العام للتعامل مع الخسائر المصرفيّة. باختصار، كان من الواضح أن الأمور تتجه نحو إقرار خطّة جديدة تحظى ببركة جمعيّة المصارف، وباللوبي النيابي الذي يدافع عن مصالحها داخل المجلس، وهو ما ينذر بإقبال البلاد على مرحلة خطيرة من ناحيتي عدالة توزيع الخسائر وإمكانيّة الوصول إلى تفاهم نهائي مع صندوق النقد.

صندوق تعافٍ مالي

فكرة ميقاتي الجديدة (راجع “المدن”)، التي يريد ضمها إلى الخطّة الماليّة الجديدة، تقوم على تخليص المصارف من إلتزاماتها لكبار المودعين، وضم هذه الودائع إلى “صندوق تعافٍ مالي” ستقوم الدولة بتأسيسه. وعلى مدى العقود المقبلة، ستلتزم الدولة –من الميزانيّة العامّة- بتمويل سداد هذه الودائع بالعملة الصعبة، بمجرّد تسجيل فوائض معيّنة في الميزانيّة. وبشكل من الأشكال، يبدو أن ميقاتي قد توصّل إلى تفاهم مبطّن مع المصارف، يقضي بتبنّي فكرة شبيهة بفكرة الصندوق السيادي، لكن مع رهن مداخيل الدولة بأسرها للصندوق، بدل رهن إيرادات استثمارات أصول عامّة معيّنة.

الأحزاب ترتاح لفكرة ميقاتي

مداخلات نوّاب كتل الأحزاب التقليديّة داخل المجلس أظهرت الكثير من الارتياح للتسوية الجديدة التي سوّقها أمامهم ميقاتي، خصوصًا أنّ هذه الفكرة تعالج هواجس المصارف اللبنانيّة، وتلبّي رغبتها بتحميل الدولة اللبنانيّة عبء التعامل مع الخسائر المتراكمة مع ميزانيّاتهم. وبدل سؤال ميقاتي عن أثر تحميل الميزانيّة العامّة كلفة التعامل مع خسارة ضخمة بهذا الحجم، ذهب نوّاب اللجنة إلى مطالبة ميقاتي بإرسال الخطّة الجديدة بصيغة مكتوبة، ما يعني استعجالهم إقرار الخطّة الجديدة داخل مجلس الوزراء. باختصار، كان من الواضح أن أغلب الكتل النيابيّة الرئيسيّة –ومنها كتل الثنائي الشيعي والقوات والتيّار الوطني الحر- قد دخلت النقاش متسلّحة بالحجج التي وضعتها جمعيّة المصارف ضد الخطّة السابقة، مقابل الحماسة لأي فكرة تريح المصارف من عبء التعامل مع الخسائر، وتحمّل هذه الخسائر للدولة اللبنانيّة.

ميقاتي يلعب بنار صندوق النقد

في كل هذه التطوّرات، بدا أن ميقاتي يلعب بالنار. فصندوق النقد الدولي كان قد وضع منذ البداية شرطًا حاسمًا، يقضي بعدم المساس بالمال العام، في سياق التعامل مع خسائر القطاع المالي. فبنظر الصندوق، لدى الدولة اللبنانيّة ما يكفي من أعباء يُفترض أن تتعامل معها خلال المرحلة المقبلة، ومنها تحقيق استدامة الدين العام وإعادة إحياء البنية التحتيّة، والتعامل مع مستلزمات بناء شبكات الحماية الاجتماعيّة. ولهذا السبب، يعتبر الصندوق أن تحميل الدولة اللبنانيّة عبء التعامل مع خسائر القطاع المالي، سيقضي على أي إمكانيّة لاستعادة ملاءة الدولة اللبنانيّة وانتظامها المالي. ولهذا السبب، من الواضح أن ما يقوم به ميقاتي، من ناحية محاولة تعديل الخطّة الماليّة على هذا النحو، من شأنه أن يطيح بالتفاهم المبدئي مع صندوق النقد، الذي يمثّل الرهان الوحيد الذي وضعته حكومته.

تحميل المجتمع الخسائر

أمّا الأسوأ في أفكار ميقاتي الجديدة، فهو ربطها كتلة ضخمة من الخسائر، التي يتجاوز حجمها 73 مليار دولار، بالميزانيّة العامّة التي تطغى عليها المداخيل بالليرة اللبنانيّة. وبذلك، من المرتقب أن تثقل خطوة من هذا النوع كاهل الميزانيّة بعبء التعامل مع هذا الإلتزام بالعملات الأجنبيّة، وعلى مدى عقود طويلة جدًا، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من ضرورة التقشّف في الإنفاق على شبكات الحماية الاجتماعيّة، وفرض رسوم وضرائب قاسية على عموم المقيمين. باختصار، ما طرحه ميقاتي هو تبنٍّ مباشر لسقف جمعيّة المصارف، الذي ذهب إلى المطالبة بإلقاء الخسائر على المجتمع بأسره، بدل معالجتها داخل القطاع المالي نفسه.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here