في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على لبنان، برز إعلان وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام كمحطّة مفصلية تفتح نافذة ضيّقة لالتقاط الأنفاس. هذه الهدنة الموقتة، وإن بدت محدودة زمنيًا، تحمل في طيّاتها أبعادًا تتجاوز البعد الأمني، لتلامس الواقع الاقتصادي المأزوم الذي يرزح تحت ضغوط غير مسبوقة.
ساهمت تداعيات المواجهات العسكرية على مدى الأشهر الماضية، في تعميق الاختلالات الاقتصادية، من تراجع التدفقات المالية إلى انكماش النشاط السياحي وازدياد الضغوط على سعر الصرف. وعليه، يُنظر إلى هذه الفترة القصيرة من التهدئة كفرصة لاحتواء جزء من التدهور، ولو بشكل موقت، خصوصًا في ظلّ ترقب حذر لمسار الأوضاع في المنطقة.
إلا أن وقف النار يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان يشكّل مدخلًا لمرحلة أكثر استقرارًا، أم مجرّد هدنة عابرة في سياق أزمة مفتوحة. وبين الأمل الحذر والواقع الضاغط، يبقى الاقتصاد اللبناني الأكثر تأثرًا، مترقبًا ما ستؤول إليه التطورات خلال الأيام المقبلة.
النفط يشعل التضخم ويضغط على الاقتصادات
الخبير الاقتصادي وعضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي، د. أنيس بو دياب، أوضح لـ “نداء الوطن”، أنه “في ظلّ التطورات المتسارعة التي يشهدها الخليج العربي، وما رافقها من تصعيد عسكري بين إيران وإسرائيل بدعم مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة، برزت تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، لم تقتصر على الدول المعنية فحسب، بل امتدت لتطول الاقتصاد العالمي بأسره. ورغم الحديث عن وقف لإطلاق النار، إلا أن آثار هذه المواجهات لا تزال قائمة، وتلقي بثقلها على مختلف المؤشرات الاقتصادية”.
ويلفت إلى أن “هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على أسعار النفط، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة تُعدّ من أهم ممرات الطاقة في العالم. ومن المعروف أن أي زيادة في أسعار النفط تؤدي إلى ضغوط تضخمية وتباطؤ نسبي في معدلات النمو الاقتصادي، إذ تشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10 % في أسعار النفط قد يساهم في زيادة معدلات التضخم بنحو 0.4 %، مقابل تراجع في النمو يتراوح بين 0.1 و0.2 %”.
على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي – حسب بو دياب – “رغم استفادتها من ارتفاع أسعار النفط عبر زيادة الإيرادات، إلا أنها تواجه في المقابل تحديات تضخمية ناتجة عن ارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة الإنفاق، ما يفرض ضغوطًا إضافية على اقتصاداتها”.
على الصعيد اللبناني، يُشير إلى أن “التأثير يبدو أكثر حدّة على الاقتصاد اللبناني، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز، حيث تشكّل فاتورة الطاقة نحو 25 % من إجمالي الاستيراد، أي ما يقارب بين 4.5 و5 مليارات دولار سنويًا. وعليه، فإن أي ارتفاع بنسبة 30 % في أسعار النفط من شأنه أن يرفع هذه الفاتورة بما يتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار، ما يؤدي إلى استنزاف إضافي في احتياطيات العملات الأجنبية، ويزيد من الضغوط على سعر الصرف ومعدلات التضخم”.
انطلاقًا من ذلك، يرجح بو دياب أن “تكون المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التحديات الاقتصادية، لا سيما إذا استمرّت حالة عدم الاستقرار في المنطقة، ما يستدعي استعدادًا أكبر من الدول، وخاصة تلك المستوردة للطاقة، للتعامل مع تداعيات قد تكون طويلة الأمد”.
كلفة الاعتماد على الخارج
يوضح بو دياب أنه “في ظلّ هشاشة البنية الاقتصادية في لبنان، وضعف الإنتاج المحلي، يبرز الاعتماد بشكل أساسي على مصادر خارجية للدخل، وفي مقدّمها القطاع السياحي وتحويلات المغتربين. إلا أن هذه الركائز نفسها تبدو اليوم عرضة لضغوط متزايدة، نتيجة التوترات الإقليمية والدولية، لا سيما تلك المرتبطة بما يجري في الخليج العربي. فالاقتصاد اللبناني، الذي يواجه أصلًا تحديات داخلية معقدة، يتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب خارجي، خصوصًا في الدول التي تستقطب اليد العاملة اللبنانية. ومع استمرار الأزمات الإقليمية، يُتوقع أن تنعكس هذه التطورات سلبًا على تحويلات الاغتراب، إضافة إلى تراجع محتمل في النشاط السياحي، ما يزيد من الضغوط على الاقتصاد الوطني”.
ويلفت إلى أن “البيانات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي في لبنان تشير إلى أن إجمالي الدخل الصافي المتاح يُقدّر بنحو 36 مليار دولار، يشكّل منها ما يقارب 6.2 مليارات دولار تحويلات من الخارج. كما تُظهر المعطيات أن ما بين 50 % و60 % من هذه التحويلات مصدرها دول مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس مدى الترابط بين الاقتصاد اللبناني وأداء اقتصادات تلك الدول”.
انطلاقًا من هذا الواقع، يرى بو دياب أن “أي تباطؤ اقتصادي أو تراجع في فرص العمل في دول الخليج، نتيجة التوترات أو تداعيات الحرب، سينعكس حتمًا على حجم التحويلات إلى لبنان. وقد بدأت المؤشرات الأولية تظهر بالفعل، حيث سُجّل تراجع بنسبة تقارب 5 % في التحويلات خلال شهر آذار، وهو ما يُعدّ مؤشرًا مقلقًا إذا ما استمر أو تفاقم”.
وفي حال تطوّر هذا التراجع، يُرجّح أن “تصل الخسائر السنوية إلى نحو 300 مليون دولار أو أكثر، وهو رقم له تداعيات مباشرة على ميزان المدفوعات، كما يساهم في تقليص حجم الكتلة النقدية بالدولار المتدفقة إلى السوق اللبنانية، ما يزيد من الضغوط على الاستقرار النقدي والاقتصادي في البلاد”.
في المحصّلة، يؤكّد بو دياب أن “المخاطر الاقتصادية على لبنان تتزايد كلّما طال أمد الأزمات، سواء داخليًا أو على مستوى الإقليم، لا سيما في ظلّ التوترات المستمرة في الخليج العربي. فاستمرار هذه الأوضاع من شأنه أن يؤدي إلى موجات تضخمية إضافية، تنعكس بدورها على تباطؤ النشاط الاقتصادي في دول الخليج، ما يحدّ من فرص العمل ويؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية فيها”.
يضيف: “هذا التراجع في القدرة الشرائية ينعكس مباشرة على مداخيل العاملين، ومن بينهم اللبنانيون المقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي، الذين تشكّل تحويلاتهم ما بين 50 % و60 % من إجمالي التحويلات إلى لبنان. وبالتالي، فإن أي انكماش في تلك الاقتصادات سيؤدي حكمًا إلى تراجع في هذه التحويلات، التي تتراوح أساسًا بين 6 و7 مليارات دولار سنويًا. وفي حال تسجيل انخفاض بنسبة تتراوح بين 20 % و30 % في هذه التحويلات، فإن ذلك يعني خسارة تقارب مليار دولار أو أكثر، وهو رقم بالغ التأثير على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على التدفقات الخارجية من العملات الأجنبية”.
تضخم مستورد
إلى ذلك، يلفت بو دياب إلى نقطة هامة وهي أن “لبنان يواجه تحديًا إضافيًا يتمثل في التضخم المستورد، حيث إن نحو 80 % من السلة الاستهلاكية في البلاد تعتمد على الاستيراد. كما أن فاتورة النفط والمحروقات تشكّل حوالى 25 % من إجمالي الواردات، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية سببًا مباشرًا في زيادة فاتورة الاستيراد، وبالتالي استنزافًا إضافيًا للعملات الصعبة”.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يوضح أن “هذا الواقع ينعكس أيضًا على القطاع السياحي، الذي يشهد تراجعًا حادًا يُقدّر بنحو 90 %، ما يؤدي إلى انخفاض كبير في الإيرادات الخارجية المرتبطة بالنشاط السياحي”.
اقتصاد بلا هوامش أمان
وعليه، يخلص بو دياب إلى القول: “في المحصّلة، تتقاطع هذه العوامل لتُنتج ضغطًا متزايدًا على ميزان المدفوعات، وتؤدي إلى تقلّص التدفقات بالدولار إلى السوق المحلية، ما يفاقم من حدّة الأزمة النقدية ويضع الاقتصاد اللبناني أمام تحديات غير مسبوقة في تأمين السيولة بالعملات الأجنبية”، معتبرًا أن ” أزمة شحّ الدولار في السوق المحلية تعد انعكاسًا مباشرًا للعجز المتفاقم في ميزان المدفوعات، والذي يعود بشكل أساسي إلى تراجع الإيرادات الخارجية، وفي مقدّمها تحويلات المغتربين وعائدات القطاع السياحي. ومع استمرار هذه التراجعات، يدخل الاقتصاد اللبناني في حلقة مفرغة من الضغوط النقدية والمالية، تزيد من حدّة الأزمة القائمة”.
ويختم بو دياب حديثه، مؤكّدًا أن “لبنان يقف اليوم أمام تحديات مركّبة، حيث تتقاطع العوامل الداخلية مع المتغيرات الخارجية، ما يجعل الحاجة ملحّة لاحتواء تداعيات الأزمات بأسرع وقت ممكن، إذ إن إطالة أمدها لن تؤدي إلا إلى تعميق الخسائر وتعقيد مسار التعافي”.
في الخلاصة، لا يمكن التعويل على وقف إطلاق النار الموقت كحلّ فعلي للأزمة، بقدر ما يشكّل استراحة هشة في مسار ضاغط ومعقد. فالعوامل التي أوصلت الاقتصاد اللبناني إلى هذا المستوى من التراجع لا تزال قائمة، بل تزداد حدّة مع استمرار الضبابية الإقليمية وغياب المعالجات الداخلية الجدية.



