الرئيسية اقتصاد لبنان هل حصلت السرقة بين تاتش وwhish؟ فضيحة «التشريج»: سرقة أو سوء إدارة؟

هل حصلت السرقة بين تاتش وwhish؟ فضيحة «التشريج»: سرقة أو سوء إدارة؟

لم يتمسّك وزير الاتصالات شارل الحاج برواية واحدة بشأن مسألة «تشريج» الأيام والدولارات. في البداية ألمح بشكل مباشر إلى وجود سرقة قائلاً: «المواطن عم يدفع، بس جزء من هالمدخول ما عم يوصل لا للشركات (شركتي الخلوي) ولا للخزينة»، ولفت إلى أنّه لاحظ وجود فروقات في الإيرادات وطلب التدقيق في الأرقام «فتبيّن وجود شبكة» تستخدِم خدمة وُضِعت للمواطنين بطريقة أخرى ما تسبّب في «التسرّب». لكن فجأة توقف الحديث عن «السرقة» وبدأ الحديث عن تطوير للخدمات لتقديمها مباشرة من شركتي الخلوي وتحصيل إيرادات أكبر، في خطوة أضافت فوق الإرباك إرباكاً. ثم برزت رواية مصدرها الشركات التي تبيع هذه الخدمات تقول إنه لا وجود لأي اختلاس أو سرقة أو احتيال، وكأن كل ما قيل ليس إلا شائعات أطلقها الوزير.

تتقاطع رواية الوزير عن «التسرّب» مع معطيات منقولة عن أوساط في مكتبه تقول إن هناك شبهات حول عمليات تنفذها شركة whish money مع شركة «تاتش» في مجال شراء وبيع الوحدات والأيام المرتبطة بتشريج الخطوط المسبقة الدفع. إذ تبيّن، بحسب هذه المعطيات، أن الإيرادات لا تصل كاملة إلى «تاتش» رغم حصول المشترك على الخدمة التي دفع ثمنها. لكن لا أحد يعترف كيف اكتُشف «التسرّب» رغم أنه بات واضحاً بأن ما دفع الوزير إلى إعلان وجوده هو أمر يتعلق بتسريب خطط الوزير بشأن إجراء تعديلات على عمليات نقل الأيام والدولارات من مشترك إلى آخر بشكل يؤدي إلى إجبار المستهلك على شراء خط تشريج كامل له وحده من دون أي إمكانية لنقل بعض الدولارات إلى خطوط أخرى.

تثير هذه الرواية الكثير من التساؤلات، لا سيما أن الوزير تراجع عنها بشكل أو بآخر وأن شركة whish money نفت لـ «الأخبار» وجود أي عملية سرقة أو ما شابهها بشكل قاطع. فالمسألة التقنية بشأن سوق التشريج وبيع أو نقل الدولارات والأيام من مشترك إلى آخر، ليست بهذه البساطة، وإن كان فيها ما يدلّ بوضوح على أنه لا يمكن أن يحصل تسرّب من دون إهمال أو سرقة. شركتا الخلوي لديهما أكثر من 4 ملايين مشترك. في «تاتش» وحدها هناك أكثر من 2.5 مليون مشترك غالبيتهم من ذوي الخطوط المسبقة الدفع، أي إنهم ضمن الفئة التي يمكن أن تستهلك أو تمارس عمليات شراء وبيع الأيام والدولارات. وما يحصل في السوق، هو أن الكثير من المشتركين أو أصحاب المحال الصغيرة أو الموزّعين الأكبر، يبيعون كروت «تشريج»، يحتاجون إلى الأيام فقط حتى لا تنتهي صلاحية خطهم، مقابل ثمن.

وبالتالي تبقى الدولارات أو الوحدات في خطوط هؤلاء، وتتجمّع بكميات كبيرة. وبما أنّ لدى «تاتش» و«ألفا» عقوداً مع الموزّعين أو هؤلاء التجّار مثل whish money تتيح لها تحويل الدولارات إلى أيام إضافية، فإن whish money وغيرها ممن لديهم عقود، يشترون الدولارات والوحدات المتجمعة في الخطوط. سعر الوحدة أو الدولار الخلوي يساوي اليوم نصف دولار نقدي. ومن خلال العقد تحوّل «تاتش» و«ألفا» الوحدات إلى أيام على أساس معادلة يمكن أن تربح فيها whish money أكثر من 80 سنتاً على الدولار الواحد. لن يحصل ذلك وفق طريقة تقنية لا يمكن تفاديها. كل تحويل من الدولارات إلى أيام لا يعني أبداً أنه يمكن للمشترك الحصول على الأيام من دون تفعيل الخدمة من الشركة الأم التي أصدرتها. وبالتالي لا يمكن أن تحصل أي سرقة إلا باتفاق بين طرفين، سواء بعلم إدارتيهما أو من دونه.

كان هذا الأمر الذي يفترض أن تكشفه التحقيقات في الشركتين. لكن حتى الآن لا يعلم إلا عدد قليل في الشركتين ما حصل فعلياً وكيف اكتُشفت السرقة. هل أبلغ أحد المشتركين عن شرائه أياماً أو خط تشريج لم يتفعّل؟ أو أن الإدارة العليا في الشركتين انتبهت صدفة إلى أنها كانت مهملة في مراقبة تقارير المبيعات والإيرادات؟ كل مسار يأخذ المسألة في اتجاه مختلف، لكنه لا يلغي المسؤوليات الفعلية للوزير عن إدارته للشركتين، ولا يلغي أن فلتان السوق يفتح الباب أمام هذه السرقة وأنواع أخرى منها أيضاً. فالوزير يفترض أن يتلقى التقارير التي تؤكد بشكل شبه يومي أن هناك تطابقاً بين الكميات التي سُلّمت للشركات والزبائن، وبين البطاقات التي تفعّلت ودُفع ثمنها وبين البطاقات التي دُفع ثمنها ولم تُفعّل بعد. هذا تقرير بسيط مثل تقارير المبيعات العادية عن منتج يباع بالجملة لموزّعين أو وسطاء ومنهم إلى تجّار التجزئة. وهذه التقارير يجب أن تخضع لرقابة يومية، فهل كانت مهملة في «تاتش»، أم أن الوزير لم يكن منتبهاً إلى وجودها أصلاً ما حفّز فلتان بعض الموظفين في الإدارة العليا التي عيّنها هو وعيّن مستشاريها أيضاً؟

على أي حال، ما حصل هو أن الوزير غيّر روايته بعدما بدا الحديث يطاله مباشرة عن نواياه في إجراء تعديل أساسي على المنتج الذي يباع في السوق، بما يؤدي إلى إجبار كل مشترك على شراء تشريج كامل له وحده من دون إمكانية تحويل الرصيد إلى آخرين. فمن بعد البلبلة التي أثارتها مسألة التعديل الذي ترغب فيه الوزارة، بدأت تظهر رواية ثانية مختلفة، تحاول نفي الرواية الأولى بالمطلق. وفق هذه الرواية، لا توجد بالضرورة أموال دفعها المشتركون واختفت، بل تكمن المشكلة في أن طريقة التشريج الحالية لا تتيح للشركتين تحقيق أقصى إيراد ممكن. فالمشترك يستطيع اليوم، عبر قنوات بيع مختلفة، أن يشتري حاجته فقط من أيام أو دولارات ولا يضطر دائماً إلى شراء بطاقة كاملة. وبالتالي، بدلاً من أن يدفع قيمة فئة محددة سلفاً، يستطيع أن يدفع مبلغاً أقل يناسب حاجته. ووفق الرواية الثانية، فإن حصر التعبئة بالبطاقات والفئات المحددة سيدفع المشتركين إلى إنفاق مبالغ أكبر، ويرفع تالياً إيرادات الشركتين، ويخفف من أرباح الجهات الأخرى التي أصبحت «فاحشة».

يبدو أن الوزير لم يدرس فعلاً أي خيار لمصلحة المستهلك، لا في روايته الأولى، وفي الرواية الثانية، مثل فتح المدة الزمنية للخطوط المسبقة الدفع لنحو سنة على الأقل ما يخفّف فعلاً من سوق بيع الأيام وتجميع الوحدات الدولارية. أو خيار ثانٍ يتعلق بإصدار منتج جديد يتيح لكل مشترك استعماله بشكل إفرادي وفيه أيام ودولارات بمعدلات مقبولة بناء على نسب الاستهلاك المسجّلة في الشركة عن المشتركين ذوي البطاقات المدفوعة مسبقاً الذين يحصلون على أيام ودولارات بشكل لا يرتبط مباشرة ببيع البطاقات.

في الواقع يدار قطاع الاتصالات بغموض كبير لجهة الاستراتيجية أو الإدارة اليومية. لا سيما أن الوزير قرّر تعيين أزلام محسوبين عليه في الشركتين، سواء في الإدارة العليا أو حتى في الفئة التي تليها مباشرة. وهذا الغموض هو مفتاح سوء الإدارة هذا. تقول مصادر في whish money، وهذه رواية أخرى لما حصل، إنّ إدارة الشركة تملك كل الفواتير التي تثبت أنهم يعملون بشكل قانوني ومن دون أدنى «تسرّب»، وأن لا علم لهم بحصول اختلاس أو سرقة، لا سيما أن كل العمليات التي تتم بين الطرفين منظمة بعقود قانونية وبموافقات من شركتي الخلوي ولا سيما لهذه الخدمات التي تقدّمها whish money عبر التطبيق من دون أي إمكانية لوجود تلاعب فيها.

المشكلة في كل هذه الروايات، أن الوزير عندما كشف عن الأمر قال إنه بعد التدقيق «تبيّن وجود شبكة». كيف اكتُشفت؟ وما هي التحقيقات التي تجريها الوزارة؟ وما هي نتائج التدقيق؟ هل هناك رواية واضحة لما يحصل؟ ما هو دور الهيئة الناظمة في هذا الأمر، لا سيما أنه أمر يطال المشتركين؟ أليس دورها أن تنظم السوق لتفادي أزمات من هذا النوع؟ أليس دورها أن تضغط على الوزارة لتكون الخطوط والتشريج ضمن مدى زمنيٍّ مفتوح يتيح الاستهلاك الحرّ بعيداً عن الضغوط التجارية؟ أليس دورها أن تضمن الاستقرار في السوق؟ إلا إذا كانت الهيئة عبارة عن موظّفين من الأعلى رواتب في الجمهورية اللبنانية الذين يفضّلون أن يكونوا تحت جناح الوزير، سواء الوزير الحالي أو المقبل؟

مصدرجريدة الأخبار - محمد وهبة
المادة السابقةنقابة عمال ومستخدمي مؤسسة كهرباء لبنان أمام إضراب في حال عدم تثبيت الحقوق والمكتسبات
المقالة القادمةتلزيمات تثير تساؤلات في بلدية بيروت