بعد أشهر من التوترات الأمنية التي انعكست مباشرة على حركة الوافدين والحجوزات وأدّت إلى توجيه ضربة قاسية للقطاع السياحي، يترّقب العاملون في هذا القطاع ما إذا كان وقف إطلاق النار “الهش” قادرًا على إعادة الثقة تدريجيًا إلى لبنان كوجهة سياحية خلال الموسم الصيفي. فالسياحة، التي تُعدّ من أبرز مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد، كانت من أكثر القطاعات تأثرًا بالتطورات الميدانية وما رافقها من إلغاء للرحلات وتراجع في نسب الإشغال والإنفاق.
مع بروز مؤشرات أوليّة على تحسّن الحركة خلال الأسابيع الأخيرة، تتجّه الأنظار إلى مدى قدرة الاستقرار الأمني النسبي على استقطاب الزوار وتحفيز الحجوزات المؤجلة، خصوصًا أن قرار السفر إلى لبنان لا يزال مرتبطًا إلى حد كبير بمستوى الاستقرار واستمرار الهدوء في المنطقة. فهل تكفي هذه الأجواء الإيجابية لإعادة تحريك العجلة السياحية بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها القطاع؟
في هذا الإطار، يبرز سؤال أساسي: هل يستطيع القطاع السياحي الاستفادة من نافذة الهدوء الحالية لتحسين أدائه والحد من خسائره، أم أن حجم الأضرار التي لحقت به خلال الفترة الماضية سيجعل من الصعب تحقيق انتعاش فعلي خلال الموسم الحالي؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، يوضح الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية جان بيروتي واقع القطاع وآفاقه في المرحلة المقبلة.
حجوزات محدودة
يشير بيروتي لـ “نداء الوطن”، إلى أن “بوادر محدودة للحجوزات بدأت بالظهور خلال شهر تموز في القطاع الفندقي، فيما شهد قطاع السياحة البحرية منذ الأسبوع الماضي، ولا سيما خلال عطلة نهاية الأسبوع، حركة ملحوظة، إذ ارتفعت نسبة الإشغال من نحو 30 % إلى ما بين 60 و70 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي”. إلا أنه يلفت إلى أن “معظم هذه الحجوزات غير مدفوعة، إذ يكتفي كثيرون بالاستفسار عن الأسعار والخيارات المتاحة”.
ويرى بيروتي أن “هذه المؤشرات تحمل طابعًا إيجابيًا إذا ما استمرت الأوضاع الأمنية مستقرة، وترافق ذلك مع مناخ سياسي داعم لحركة سياحية من هذا النوع”.
ويوضح أن “هناك أشخاصًا يرغبون في القدوم إلى لبنان، وكانت حجوزاتهم مقررة اعتبارًا من منتصف تموز وما بعده، وقد أبقوا عليها بانتظار اتخاذ قرارهم النهائي بشأن السفر إلى لبنان من عدمه”. لكنه يشدد على أن “الوضع المالي في البلاد لا يزال ضعيفًا جدًا، ونحن نشهد تراجعًا كبيرًا في معدلات الإنفاق داخل القطاع السياحي نتيجة الأزمات المتراكمة وحالة الركود السائدة”.
ويؤكد بيروتي مجدّدًا أنه “في حال استمرار الأجواء الإيجابية، سنتمكن من التحرك بشكل أفضل والعمل على إنقاذ الموسم السياحي”.
وردًا على سؤال حول إمكانية تعويض الخسائر التي تكبدها القطاع السياحي إذا استمر الوضع الحالي، يؤكد بيروتي أنه “لا يمكن تعويض هذه الخسائر، لكن من الممكن تغطية جزء من الخسائر التشغيلية. فقد سجلنا خلال شهريْ آذار ونيسان تراجعًا بنحو 75 % مقارنة بالعام الماضي، وفق إحصاءات وزارة السياحة”.
في المحصلة، لا تزال مؤشرات التحسن في القطاع السياحي خجولة وغير كافية للحديث عن انتعاش فعلي، إلا أنها تعكس إمكانية الحد من الخسائر إذا ما استمرت الأوضاع الأمنية مستقرة خلال الفترة المقبلة. فالموسم الحالي قد لا يكون قادرًا على تعويض ما فُقد خلال الأشهر الماضية، لكنه قد يشكل فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تحريك جزء من النشاط السياحي والاقتصادي.
ويبقى العامل الحاسم في مسار الموسم مرتبطًا بدرجة الاستقرار الأمني والسياسي، إذ إن أي تطور سلبي من شأنه أن يبدّد الحجوزات المرتقبة ويعيد القطاع إلى نقطة الصفر. أما في حال استمر الهدوء الحالي، فقد يتمكّن العاملون في القطاع من تحقيق نتائج أفضل مما كان متوقعًا، ولو أنها ستبقى دون مستوى الطموحات المطلوبة لإخراج السياحة اللبنانية من أزمتها العميقة.



