لم تعد المعركة الاقتصادية بين واشنطن وطهران تدور حول حجم العقوبات الأميركية وحدها، بل باتت تتمحور حول سؤال أكثر تعقيدًا: من سيقرر الالتزام بها، ومن سيضع مصالحه الاقتصادية فوقها؟
عاد هذا السؤال بقوة مع جولة جديدة من العقوبات على إيران، بالتوازي مع توسيع نطاق الضغط على شبكات الشحن والتجارة والتمويل المرتبطة بها، في محاولة لتقليص قدرتها على الوصول إلى الأسواق الدولية والعملات الأجنبية.
لكن قوة العقوبات لا تتوقف عند القرارات التي تصدر في واشنطن. فكلما بقيت دول وشركات مستعدة للتعامل مع إيران، ستبقى أمامها منافذ تسمح لها ببيع النفط وتمويل جزء أساسي من اقتصادها.
الصين مفتاح نجاح العقوبات
يرى حسام سابا، مدير«Business CNN»، أن «نجاح أي نظام عقوبات لا يرتبط فقط بقسوته، بل بمدى التزام الأطراف الدولية به«.
ويقول سابا لـ«النشرة» إن نجاح العقوبات يرتبط بالتزام جميع الأفرقاء بها، معتبرًا أنه «لو التزمت الصين، وبدرجة أقل روسيا، فإن إيران قد تواجه اختناقًا ماليًا خلال أسابيع، في حين أن استمرار شراء النفط منها أو مواصلة التبادل التجاري معها يمنحها قدرة أطول بكثير على الصمود«.
فبحسب بيانات «كبلر» التي نقلتها وكالة «رويترز»، هبطت شحنات النفط الإيراني إلى الصين إلى نحو 534 ألف برميل يوميًا في آب، مقارنة بـ823 ألف برميل يوميًا في تموز، بعدما كانت التدفقات قد وصلت في وقت سابق من العام إلى نحو 1.58 مليون برميل يوميًا.
هذا التراجع كبير، لكنه لا يعني توقف الشريان النفطي الإيراني. فالصين لا تزال السوق الرئيسية للنفط الإيراني، وتلعب المصافي المستقلة، ولا سيما في مقاطعة شاندونغ، دورًا أساسيًا في هذه التجارة.
لماذا تتمسك الصين بالنفط الإيراني؟
المعادلة بالنسبة إلى بكين ليست سياسية فقط. فنفط الجمهورية الإسلامية يصل عادة إلى المشترين الصينيين بأسعار مخفّضة مما يعوّض جزءًا من المخاطر المرتبطة بالعقوبات، ويمنح المصافي المستقلة حافزًا اقتصاديًا للاستمرار في شرائه.
وهنا تبرز مفارقة لافتة: فكلما ازدادت عزلة إيران واضطرت إلى تقديم شروط أكثر جاذبية لتصريف نفطها، أصبحت قدرة الصين بالحصول على إمدادات بشروط أفضل. وبذلك، لا تتحول الأخيرة إلى منفذ أساسي للصادرات الإيرانية فحسب، بل تصبح أيضًا مستفيدًا اقتصاديًا من بعض النتائج التي تفرضها العقوبات.
وهذا يضع الصين أمام حساب دقيق: متى تصبح كلفة التعامل مع إيران، تحت ضغط واشنطن، أعلى من المكاسب التي تحققها من النفط الإيراني؟
وبحسب سابا، كانت المصلحة الاقتصادية الصينية حتى الآن هي الأقوى، لكن العقوبات الأكثر تشددًا قد تغيّر هذه المعادلة.
عندما يصبح الدولار جزءًا من العقوبات
لا يستهدف الضغط الأميركي إيران وحدها، بل يسعى إلى رفع كلفة التعامل معها بالنسبة إلى دول أخرى، خصوصًا إذا أصبح استمرار العلاقة مع طهران يهدّد مصالح أكبر مرتبطة بالولايات المتحدة أو بالنظام المالي القائم على الدولار.
وتكمن الحساسية في الصين تحديدًا، إذ إن استهداف شركات أو مصافٍ مستقلة يختلف عن استهداف مؤسسات ماليّة صينية كبرى، لأنّ الخطوة الأخيرة قد تنقل المواجهة من مجرّد الضغط على إيران إلى توتّر اقتصادي ومالي أوسع بين واشنطن وبكين.
وربما تكون هذه أصعب معادلة أمام الولايات المتحدة: كيف تجعل كلفة التعامل مع إيران مرتفعة بما يكفي لتغيير حسابات شركائها، من دون أن تتحول العقوبات إلى مواجهة اقتصاديّة مباشرة مع التنين الصيني؟
اقتصاد تعلّم الالتفاف على العقوبات
في المقابل، منحت سنوات محاصرة إيران وقتًا لتطوير شبكات بديلة للتجارة والتمويل.
ويرى سابا أن العقوبات، بدلًا من أن تنجح بالضرورة في تغيير سلوك الجمهورية الاسلامية، ساهمت في «إعادة هندسة اقتصادها وطرق تجارتها»، بدءًا من الناقلات المرتبطة بما يُعرف بـ«أسطول الظل»، وصولًا إلى التسويات خارج النظام المصرفي الأميركي وشبكات التجارة البديلة.
وتشير تقارير إلى استخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، ووسطاء، ومسارات تجارية معقدة، إضافة إلى تسويات بعملات غير الدولار، لتقليل انكشاف التجارة الإيرانية على النظام المالي الأميركي.
لكن قدرة الالتفاف على العقوبات لا تعني أنها بلا ثمن. فكل برميل لا تستطيع إيران تصديره يعني ضغطًا إضافيًا على أحد أهم مصادر العملات الأجنبية لديها. ومع صعوبة التحويلات وارتفاع كلفة التجارة، تنتقل الضغوط تدريجيًا من الدولة والشركات إلى الاقتصاد الداخلي.
فالضغط على تدفقات العملات الأجنبية يزيد التحديات أمام الريال، فيما تجعل الضغوط التضخمية السلع والخدمات أكثر كلفة بالنسبة إلى الإيرانيين.
وهنا يظهر الفرق بين قدرتين مختلفتين للعقوبات: القدرة على إلحاق الألم الاقتصادي، والقدرة على تحويل هذا الألم إلى تغيير سياسي. فقد تستطيع العقوبات زيادة كلفة إدارة الاقتصاد الإيراني، من دون أن يعني ذلك تلقائيًا تغيير قرارات طهران.
من يربح ومن يخسر؟
حتى حساب خسائر إيران النفطية ليس بسيطًا، فتراجع عدد البراميل المصدّرة لا يعني بالضرورة انخفاض الإيرادات بالنسبة نفسها. فإذا ساهم تشديد العقوبات أو التوتر الإقليمي في رفع أسعار النفط، يمكن للسعر الأعلى أن يعوّض جزءًا من خسارة الكميات.
لذلك، لا يكفي السؤال عن عدد البراميل التي منعت العقوبات إيران من بيعها، بل يجب النظر أيضًا إلى السعر الذي تحصل عليه بعد احتساب الخصومات وكلفة الالتفاف على العقوبات، لمعرفة حجم الضرر الحقيقي الذي يلحق بالإيرادات.
وفي المقابل، قد يستفيد منتجون آخرون من تراجع حصة إيران في السوق، بينما تستفيد المصافي الصينية من الخصومات التي تقدمها طهران للحفاظ على مشترين لنفطها.
وماذا عن سوق النفط العالمية؟
إذا نجحت واشنطن في إخراج كميات أكبر من النفط الإيراني من السوق، بالتزامن مع استمرار التوتر المرتبط بمضيق هرمز، فقد تتحمل أسواق الطاقة العالمية جزءًا من الكلفة.
وهنا تواجه واشنطن مفارقة إضافية: فهي تريد خفض الإيرادات النفطية الإيرانية، لكنها لا ترغب في التسبب بصدمة في الإمدادات تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وتضيف ضغوطًا تضخمية على الاقتصاد العالمي.
وهكذا، تصبح المعركة أبعد من إيران نفسها. فواشنطن تريد الضغط على طهران من دون الدخول في صدام اقتصادي واسع مع بكين أو التسبب باضطراب كبير في أسواق الطاقة. وإيران تسعى إلى الحفاظ على صادراتها، حتى بثمن تقديم الخصومات وتحمل كلفة الالتفاف على العقوبات، فيما تستفيد الصين من النفط الأرخص ما دامت كلفة تحدي العقوبات مقبولة.
وبعد سنوات من العقوبات، قد لا يكون السؤال الأكثر دقة هو ما إذا كانت العقوبات المفروضة على إيران قد نجحت أم فشلت. فالسؤال الحقيقي هو: كم دولة لا تزال ترى أن مصلحتها الاقتصادية تفوق التزامها بالعقوبات؟
وحتى الآن، تبدو الإجابة صينية بامتياز.



