الرئيسية اقتصاد لبنان أجرة السرفيس أكبر من المعاش!

أجرة السرفيس أكبر من المعاش!

أخيراً اجتمعت لجنة المؤشر في وزارة العمل، وأقرّت تعديل بدل النقل اليومي، وربطته بسعر البنزين، إذ أصبح يساوي ثمن 5 ليترات بنزين يومياً. ومن المتوقع أن يسري مفعول هذا التعديل في أول جلسة مجلس الوزراء لإقرار بمرسوم.

في الشكل، هذه زيادة للعاملين في القطاع على مداخيلهم الشهرية، ولكن في المضمون هذا باب لمشكلة مقبلة لا سيّما في حال انخفاض سعر صفيحة البنزين عالمياً. فالأسعار تتعدّل بناءً على الزيادة، ولن تعود إلى ما كانت عليه في حال حصول أي انخفاض.

وحتى موعد إقرار الزيادة، لا يزال فيه بدل النقل الرسمي 450 ألف ليرة لبنانية عن كل يوم حضور، ومعه بات الموظف يدفع من صلب راتبه الأساسي ليتمكّن من الوصول إلى مكان عمله، نتيجة القفزات المتتالية في أسعار المحروقات، والتي أوصلت سعر صفيحة البنزين إلى 32 دولاراً، وترافقت مع فرض تسعيرات جديدة لـ«السرفيس» و«التاكسي»، ما أجبر الموظفين على تقديم تنازلات معيشية قاسية بهدف تقليص نفقاتهم الأساسية.

«نعمل لنأكل ونصل إلى المكتب»
من منطقة فرن الشباك إلى كورنيش المزرعة، تخوض إناس رحلتها اليومية في سيارات أجرة تعمل من خلال مجموعات «واتساب»، بعدما جعل غياب خطوط النقل المشترك القريبة من منزلها خيارَي الباص و«السرفيس» غير متاحَين لها.

ويتقاضى سائق «التاكسي» منها 600 ألف ليرة للرحلة الواحدة ضمن منطقة بيروت، لتبلغ فاتورة تنقّلاتها ذهاباً وإياباً من منزلها إلى المكتب نحو 14 دولاراً يومياً، أي ما يقارب 300 دولار شهرياً، بينما لا يغطي بدل النقل الرسمي الذي تتقاضاه سوى ربع هذا المبلغ.

وتشير إناس، في حديثٍ إلى «الأخبار»، إلى أنّ «المزاجية» في التسعير بين المكاتب والارتفاع المستمر في أسعار المحروقات يضاعفان الضغوط المالية المترتّبة عليها، في وقت لا تواكب فيه زيادات الأجور وبدلات النقل ارتفاع تكاليف المعيشة.

وعلى الرغم من تفهّمها اضطرار السائقين إلى رفع التسعيرة نتيجة غلاء المحروقات، فإنّها ترى أنّ تحميل الموظف وحده كلفة هذه الأزمة أصبح «أمراً يصعب التعايش معه».

وأمام هذا الواقع، لم تجد إناس مخرجاً سوى تقليص النفقات الأساسية والحدّ من متطلّبات حياتها الشخصية، وتقول: «صرنا نشتغل بس لناكل وننزل عالمكتب»، معتبرةً أنّ ارتفاع تكاليف المعيشة حرم الشباب اللبناني من القدرة على الادّخار أو بناء أيّ تطلّعات مستقبلية.

مطالبات بالعمل عن بُعد لإنقاذ الرواتب
وعلى خطّ الضاحية الجنوبية – الحمرا، تعكس تجربة يارا معاناتها اليومية في غياب سيارة خاصة، إذ تضطر صباحاً إلى استقلال «السرفيس» لتجنّب السير مسافات طويلة وصولاً إلى خطّ الباص. غير أنّ الوصول بـ«سرفيس» واحد، الذي أصبحت كلفته 400 ألف ليرة لبنانية، بات خياراً نادراً، إذ يطالب السائقون بأجرة «سرفيس ونصف أو سرفيسين»، ما يفرض عليها التفاوض المستمر والتأكّد من التسعيرة قبل الصعود.

وتقول: «إذا بدّي إدفع 800 ألف ليرة عالسرفيس، بفضّل إقعد بالبيت وما إدفع معاشي كلّه مواصلات». أمّا في رحلة العودة، فتلجأ إلى السير مسافةً من مكان عملها لاستقلال الباص وتوفير بعض المال، أو تنتظر زملاءها لمرافقتهم في سياراتهم الخاصة كلّما أمكن ذلك.

تبحث عاملة مع زملائها إمكانية اعتماد خيار «العمل عن بُعد» مع إدارة المؤسسة لتخفيف أعباء التنقّل

ولا تنفصل أزمة المواصلات، بالنسبة إلى يارا، عن سلسلة التنازلات المعيشية التي اضطرت أسرتها إلى تقديمها منذ عام 2019، بدءاً من الانتقال من المدارس الخاصة إلى الرسمية، وصولاً إلى تقليص نفقات الخروج والترفيه والاستغناء عن الكماليات.

وفي حين تبحث مع زملائها إمكانية اعتماد خيار «العمل عن بُعد» مع إدارة المؤسسة، لتخفيف أعباء التنقّل، من دون أن تتلقّى أيّ تجاوب حتى الآن، تناشد السلطات والمؤسسات الالتفات إلى أوضاع الموظفين الذين باتوا يعجزون عن تأمين أبسط مقوّمات العيش الكريم، في ظلّ الضغوط المادية والجسدية والنفسية التي يواجهونها، وانشغالهم الدائم بالبحث عن نفقات جديدة يمكن الاستغناء عنها لمواصلة العمل وتأمين لقمة العيش.

18 مليون ليرة شهرياً للوصول من الشوف إلى العاصمة
ولا تقف هذه الأزمة عند حدود العاصمة، بل تتفاقم كلّما ابتعد مكان السكن عن مكان العمل. تنتقل ديالا يومياً من منزلها في بلدة الباروك (قضاء الشوف) إلى مكان عملها في منطقة فردان ببيروت، معتمدةً على الباص باعتباره وسيلة النقل الوحيدة المتاحة أمامها. وتتراوح كلفة ذهابها إلى العمل وعودتها منه بين 700 و800 ألف ليرة لبنانية يومياً، إذ تتراوح أجرة الباص بين 350 و400 ألف ليرة للراكب عن كلّ رحلة، فيما يصل إنفاقها الشهري على المواصلات إلى نحو 18 مليون ليرة لبنانية.

وتؤكّد ديالا أنّ كلفة النقل أصبحت تشكّل عبئاً مادياً كبيراً عليها، ولا سيّما في ظلّ الارتفاع المستمر في الأسعار، إذ تقتطع جزءاً ملحوظاً من راتبها الشهري، ما اضطرّها إلى تقليص بعض نفقاتها الأساسية لتتمكّن من تأمين كلفة تنقّلها اليومي إلى العمل.

وتتجاوز أزمة النقل في لبنان حدود الكلفة اليومية، لتشكّل ضغطاً مباشراً على القدرة الشرائية وسوق العمل، إذ يؤدّي اقتطاع كلفة التنقّل لنحو نصف الأجور المحدّدة إلى انكماش الإنفاق الأسري على السلع الأساسية في ظلّ حدٍّ أدنى للأجور يبلغ 312 دولاراً.

ومع استمرار الفجوة بين بدل النقل الرسمي والكلفة الفعلية، يتّجه قطاع النقل البرّي نحو تصعيد ميداني، عبر إضرابات تحذيرية وتحركات احتجاجية أعلنت عنها النقابات. وتتركّز مطالب القطاع على تصحيح بدل النقل عبر ربطه مباشرةً بتغيّرات أسعار المحروقات، وإقرار دعم تشغيلي للسائقين للحدّ من الفوضى والتسعير العشوائي، إلى جانب تشغيل خطوط النقل المشترك.

مصدرجريدة الأخبار - غنوة فهد
المادة السابقةحيدر يعلن التوصل إلى آلية جديدة لبدل النقل
المقالة القادمةالأشقر: لبنان يخسر 40 في المئة من مداخيله السياحية