الرئيسية اقتصاد لبنان أزمة إمدادات الغاز والنفط: العالم يرتجف

أزمة إمدادات الغاز والنفط: العالم يرتجف

مع اقتراب انتهاء أوّل أسبوع من التصعيد في منطقة الخليج، بدأت النتائج الخطيرة لهذه الأحداث بالظهور في أسواق الطاقة العالميّة. فسعر خام برنت بات يحلّق فوق 84 دولارًا للبرميل، أي بارتفاع نسبته 15 بالمئة قياسًا بأسعار الأسبوع السابق. وإذا واصل النفط مسيرة الصعود إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، في حال استمرار التصعيد، من المرتقب أن تشهد أسواق العالم زيادة بنسبة 1.2 بالمئة في معدّلات التضخّم. أمّا المؤشّر الأكثر حساسيّة، فكان ارتفاع كلفة الميغاوات-ساعة من الغاز الطبيعي في أوروبا إلى مستوى 63 دولارًا، بزيادة نسبتها 70 بالمئة قياسًا بالأسبوع السابق.

خضّة أسواق الغاز

توقّف إنتاج الغاز المُسال في قطر، شكّل مصدرًا لأكبر الخضّات في أسواق الطاقة. ولهذا التطوّر مخاطره على أوروبا، التي باتت تعتمد على قطر لتأمين نسبة تتراوح بين 12 و14 بالمئة، من حاجاتها الإجماليّة للغاز المُسال. وفي الوقت الراهن، تشير أرقام Gas Infrastructure Europe إلى أنّ نسبة تخزين الغاز في أوروبا تراجعت إلى ما دون 30 بالمئة، من السعة القصوى، قياسًا بمتوسّط يقارب 45 بالمئة في مثل هذا الوقت من العام. وبوتير استعمال المخزون الحاليّة، ومع تناقص معروض الغاز، من المفترض أن تنخفض هذه النسبة إلى مستوى يقارب 22 بالمئة، بحلول نهاية شهر آذار الحالي، أي بعد انتهاء موجة الطلب الشتويّ على الغاز، مقارنة بمتوسّط يقارب 41 بالمئة في مثل هذا الوقت من العام.

بهذا المعنى، وحتّى بعد انتهاء التصعيد الحالي، سيكون الاتحاد الأوروبي أمام تحدّي إعادة تكوين احتياطاته الاستراتيجيّة من الغاز الطبيعي، ما يفرض زيادة الطلب الأوروبي على هذه المادّة. وهذا النقص، سيزيد من انكشاف أوروبا على مخاطر أمن الطاقة، كما سيقلّص قوّتها التفاوضيّة في وجه واشنطن، المورّد الأوّل للغاز المُسال في أوروبا. مع الإشارة إلى أنّ تزايد هشاشة السوق الأوروبي يأتي في وقتٍ حسّاس، تتصاعد فيه النزاعات التجاريّة بين بروكسيل وواشنطن، ما يفرض استعمال كل طرف لجميع أوراق القوّة المتاحة للضغط على الطرف الآخر.

ويبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أدرك سريعًا أنّ هناك ما يمكن استغلاله في الواقع المستجد في أوروبا. فأعلن فورًا هذا الأسبوع أنّ بلاده قد تجد مصلحة في التوقّف عن تزويد السوق الأوروبيّة بالغاز الآن، مقابل الانتقال إلى أسواق أخرى “تُفتح الآن” أمام روسيا، وبأسعار أفضل. بهذا الشكل، فتح بوتين الباب أمام استعمال إمدادات الغاز كورقة مقايضة، للضغط على أوروبا في ملفّات أخرى قد تشمل شروط إنهاء الحرب في أوكرانيا. وبمعزل عن هذ العامل، في ظل شح معروض الغاز المُسال في الأسواق العالميّة، قد تجد الكثير من الشركات الآسيويّة مصلحة في المغامرة ومحاولة الالتفاف على العقوبات الغربيّة، وشراء الغاز الروسي، ما سيصب مجددًا في مصلحة الكرملين.

أزمة في مصر والأردن

في المنطقة العربيّة، وجدت القاهرة نفسها أمام تحدٍّ كبير، مع انقطاع إمدادات الغاز الواردة من حقليّ ليفياثان وكاريش في إسرائيل. مع العلم أنّ مصر استوردت العام الماضي قرابة 10 مليارات متر مكعّب من الغاز من إسرائيل، ما لبّى نحو 20 بالمئة من استهلاك مصر المحلّي من الغاز. ومرّة جديدة، كشفت هذه التطوّرات انكشاف مصر على مخاطر الوضع الأمني في إسرائيل، حيث ذكّرت هذه الأحداث بأزمة مماثلة واجهتها مصر، خلال جولة التصعيد السابقة بين إسرائيل وإيران. وفي تلك الفترة، فرضت الأزمة إقفال أجزاء واسعة من القطاعات الصناعيّة المصريّة، لتقنين استعمال مصادر الطاقة، بانتظار استعادة تدفّقات الغاز الإسرائيلي.

في الوقت الراهن، تمتلك مصر أربع سفن تغويز في مينائي السخنة ودمياط، ما يسمح للبلاد باستيراد الغاز المُسال وضخّه في الشبكة المحليّة، لتعويض نقص إمدادات الغاز الإسرائيلي. كما تمتلك الحكومة المصريّة سيناريوهات بديلة تسمح بتشغيل محطات الكهرباء بأنواع أخرى من الوقود، لضمان التغذية من دون انقطاع. غير أنّ اعتماد هذه الخيارات سيفرض على الحكومة المصريّة شراء المشتقات النفطيّة من السوق المفتوحة، بأسعار مرتفعة، مقارنة بالإمدادات المتأتية من عقود طويلة الأجل، وهو ما سيفاقم من الضغوط الماليّة والنقديّة التي تتعرّض لها مصر.

ستجد الأردن نفسها أيضًا أمام تحدٍّ لا يقل خطورة، بعدما توقّف ضخ الغاز الإسرائيلي باتجاهها أيضًا. مع العلم أنّ الأردن يرتبط باتفاقيّة استيراد غاز طويلة الأجل مع إسرائيل، لشراء إنتاج حقل ليفياثان، فيما تعتمد الأردن على الغاز لإنتاج 8 بالمئة من حاجاتها للكهرباء. وفي ظلّ الأزمة الحاليّة، تمتلك الأردن خيار الاعتماد على سفينة التغويز “إنرغوس فورس”، الموجودة في ميناء العقبة، لاستيراد الغاز المُسال وتغويزه ثم ضخّه في الشبكة المحليّة. كما تمتلك أيضًا خيار الاعتماد على مصادر طاقة بديلة، لتشغيل محطّات الكهرباء المحليّة.

أزمة نفط موازية

في أسواق النفط، ثمّة أزمة موازية، وإن كانت أسواق النفط تمتلك مرونة أكبر مقارنة بأسواق الغاز الطبيعي. فبيانات منصّة مارين ترافيك تؤشّر إلى أنّ هناك ما لا يقل عن 200 سفينة، جلّها من ناقلات النفط، لا تزال راسية في المياه المفتوحة قبالة سواحل منتجي النفط الرئيسيين في منطقة الخليج العربي، بمن فيهم العراق والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة والكويت وقطر. وأظهرت بيانات الشحن كذلك أنّ مئات السفن لا تزال عالقة خارج مياه الخليج، قبالة مضيق هرمز، لجهة بحر عُمان، وهي غير قادرة على الوصول إلى الموانئ.

من هذه الزاوية، يمكن فهم الارتفاعات المستمرّة في أسعار النفط العالميّة. ومن المرتقب أن يواصل برميل النفط ارتفاعاته خلال الأيّام المقبلة، بموازاة استهلاك المخزونات الاستراتيجيّة الموجودة في أنحاء العالم، ومحاولة المستهلكين إعادة تكوين هذه المخزونات. وشيئًا فشيئًا، من المرتقب أن تبدأ تداعيات هذه التطوّرات بالظهور على أسعار السلع في الأسواق العالميّة، ما سينعكس على مستوى معدّلات التضخّم. وفي النتيجة، قد نكون أمام أزمة اقتصاديّة عالميّة، تبدأ شرارتها الأولى من أزمة أسواق الطاقة.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةالحرب إن طالت… هذا ما سيحلّ بالاقتصاد العالمي