أزمة الدولار محلولة… وأزمة المازوت مستعرة

إذا كانت المصانع الكبرى في البلد قد ازدهرت مع انخفاض قيمة الرسوم والضرائب المفروضة على الصناعيين وتحسّن رواتب العمال عموماً كون المصدّر يقبض بالعملة الأجنبية، إلا أن أصحاب المؤسسات الصناعية الصغيرة ما زالوا يعانون بعض الصعوبات.

خليل عبود وهو صاحب معمل خياطة (صغير) يقول “صحيح ان الصناعة المحلية ازدهرت بعد انعدام قدرة التجار على استيراد الألبسة من الخارج وتكبّد كلفة السفر في ظل أزمة الدولار لكن بالنسبة الينا كصناعيين أصبحت عملية التسعير هاجساً لأن المبيع بالليرة اللبنانية وهو ما لا يؤمن ربحاً كما كانت الحال في السابق فالمصاريف عالية جداً مقارنة بالإنتاج لكننا نحاول الصمود ريثما تستقيم أمور البلاد”.

ويشير خليل الى ان نسبة الأرباح باتت محدودة وغير مشجعة بنحو دولار او اثنين للقطعة الواحدة بينما كانت تقدر سابقاً بنحو 7 دولارات للقطعة وهو انعكاس للتراجع الكبير في القدرة الشرائية لدى الزبائن، ناهيك عن المواد الأولية من أقمشة وخيوط كلّها مستوردة وكلفتها بالدولار، “والمشكلة اذا تعطّلت احدى ماكينات الخياطة، كلفة التصليح كما الصيانة هي الأخرى بالدولار.. حتى اللمبة بالدولار”. أما واقع اليد العاملة فهو صعب جداً، اذ يروي خليل انه بعد مغادرة العمال الأجانب خلال الأشهر الماضية وضع إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع التوظيف يطلب فيها عمال خياطة، ليفاجأ بأن اليد العاملة اللبنانية مفقودة تماماً في هذا المجال من الصناعة.

واقعٌ صناعي آخر يرويه عماد خوري وهو صاحب معمل لتصنيع مواد التنظيف والمعقمات، ويشرح ان انتاج معمله ازدهر بشكل مضاعف وزادت مبيعاته مع ارتفاع الدولار وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين الذين كانوا يلجأون الى الشامبو وسائل الاستحمام المستورد متجاهلين كلياً المنتجات المحلية فيما اليوم باتت المنتوجات اللبنانية أساسية في الاستهلاك المنزلي، مع العلم ان الأسعار تبقى متحركة مع السوق السوداء للدولار لكن مهما ارتفعت اسعار المنتجات المحلية تبقى أرخص بكثير من تلك الأجنبية المستوردة.

اليوم يواجه القطاع الصناعي أزمتين، الأولى تتعلّق بمسألة التصدير الى بعض الدول وخصوصاً الى المملكة العربية السعودية التي تشكل ركناً أساسياً في الصادرات اللبنانية، إلا انه وفي ظل غياب الدولة عن أي معالجات ناجعة، سُجّل تراجع في نسبة الصادرات بنحو 15 بالمئة بعد قرار السعودية منع استيراد أي منتجات لبنانية الى داخل أراضيها.

أما الازمة الثانية التي تعيق تطوّر قطاع الصناعة في المرحلة الراهنة فهي أزمة المازوت كونها أساسية في عمل المصانع لتشغيل الماكينات. “باتوا يحصلون على مادة المازوت بالقطّارة ما أدى الى تراجع القدرة التشغيلية لدى المصانع” يقول نصراوي الذي يشكو من عدم قدرة الدولة على ضبط عمليات تهريب المحروقات الى سوريا والضرب بيد من حديد رغم كل الإجراءات المعلنة والتي تبقى غير كافية.

أما بالنسبة الى المصانع التي تواجه معوقات معينة ونسبتها قليلة، فإن أصحابها يتّجهون الى نقل مصانعهم الى خارج لبنان إذا ما بقيت الأزمة مفتوحة من دون أي أفق للحلّ، والسبب أن تسعين بالمئة من منتوجات هذه المصانع كانت تصدّر، قبل القرار السعودي، الى أسواق الخليج وقيمة هذه الصادرات تقارب المليار دولار. وهنا تلعب جمعية الصناعيين دوراً في مساندة هؤلاء الصناعيين للصمود في لبنان، عسى أن يتحرّك المعنيون بالملف الحكومي ويهمّوا الى تأليف حكومة فاعلة بأسرع وقت تكون قادرة على اتخاذ قرارات جريئة وجدية على طريق النهوض بالبلاد.  ومع انعدام دور المصارف التي توقفت عن منح أي قروض، برز دور cedar oxygen fund الذي يتخذ من لوكسمبورغ مقراً مركزياً له، في دعم الصناعيين اللبنانيين عبر تأمين قروض لهم لشراء المواد الأولية بالدولار لتسهيل أمورهم المالية.

مدير تطوير الأعمال في الصندوق وسام غرة يشرح لـ”نداء الوطن” أن الصندوق يختلف في آلية عمله عن المصارف فهو يؤمّن قروضاً قصيرة الأمد فقط، تُسدّد في فترة ما بين ثلاثة الى ستة أشهر تكون كافية للصناعي لاستيراد المواد الأولية التي يحتاجها وتصنيع منتوجاته وبيعها ومن ثم تسديد مستحقاته للصندوق ويضيف “بذلك يكون الصندوق قد ساعد الصناعيين الذين كانت لديهم مهلة ستة أشهر للدفع بعد شراء المواد الأولية والبضاعة المطلوبة للتصنيع، فيما بات اليوم ملزماً الدفع مسبقاً وبالدولار”. أما آلية تقديم الطلب للحصول على قرض صناعي من الصندوق فتقوم على أن يقدّم الصناعي طلباً عبر برنامج الكتروني يرفقه بكل المستندات المطلوبة والطلب يمرّ عبر لجنة التسلفيات الموجودة في فرنسا وهي مؤلفة من شخصين من الصندوق وثلاثة مستقلين، اثنان منهم غير لبنانيين وذلك عملاً بمبدأ الشفافية الكاملة، قبل ان يتم توقيع الالتزام الذي تقوم به شركة أجنبية أيضاً. وهذه العملية تحتاج شهراً واحداً إذا كانت كل المستندات مؤمّنة.

 

مصدرنداء الوطن - زينة عبود
المادة السابقةالمسابح لمن يستطيع إليها سبيلاً… الأسعار جنونية و”العترة” على الفقير
المقالة القادمة«الاحتياطي» يكفي لـ 18 شهراً… لمَ الهلع؟