يؤخذ على الحكومة من بين العديد من المآخذ، انها لم تبادر منذ سنة وحتى الآن الى اتخاذ خطوات جدية، من اجل التصدي للاوضاع الاجتماعية والمعيشية المتردية والمتفاقمة، ولمعضلة رواتب القطاعى العام من عسكريين ومدنيين ومتقاعدين، واقتصر تعاطيها مع كل هذه الازمة الكبيرة، التي تطاول اكبر شريحة من اللبنانيين، على اعتماد سياسة الترقيع وكسب الوقت .
وتنذر قضية رواتب الموظفين في القطاع العام من مدنيين وعسكريين، الى جانب تردي اوضاع المتقاعدين، ومشكلة التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، بتداعيات ومضاعفات سلبية كبيرة، تهدد الامن الاجتماعي في البلاد، لا سيما في ظل حالة التخبط السائدة، نتيجة تقصير الحكومة واهمالها لهذا القطاع الواسع .
ويبدو ان سياسة الهروب الى الامام التي اعتمدتها الحكومة، وصلت الى نقطة حرجة ومفصلية من الصعب الاستمرار بها، خصوصا بعد استنفاذ الوعود المتكررة، الامر الذي جعل الهيئات النقابية المعنية في القطاع العام تدق ناقوس الخطر، وتتجه الى مرحلة متقدمة من التصعيد .
وما يزيد الطين بلّة، ان مشروع قانون الموازنة الذي ما زالت تدرسه لجنة المال والموازنة النيابي، لا يتضمن ولا يلحظ اي شيء في خصوص حل ازمة رواتب ومعاشات القطاع العام، ما يعني ان هذه القضية تبقى رهينة الوعود الحكومية حتى اشعار آخر .
ويقول احد النواب الاعضاء في لجنة المال، ان مشروع الموازنة الذي احالته الحكومة لا يلحظ معالجة هذه المشكلة، وان المجلس كما هو معروف دستوريا، لا يحق له اجراء اي زيادة في الموازنة .ويضيف ان هناك حاجة لاقرار قانون ملحق، يعالج ازمة الرواتب ومشكلة التقاعد والتعويضات، مشيرا الى ان الحكومة اعدت مشروعا، من دون معرفة ماهيته وطبيعته .
ويقول ان ما نسمعه من الحكومة على هامش التطرق الى هذه القضية، بانها تدرس حلولا وفق الامكانيات المتاحة، والحرص على الموازنة بين المدفوعات والمداخيل للخزينة .
ويرى النائب ان الاجواء المحيطة بالمداولات الجارية، لا تؤشر الى ان الحكومة في صدد وضع واقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة في المرحلة الراهنة، بحجة انها ستؤدي الى “كسر الخزينة” وزيادة العجز .ويشير الى ان الحكومة ربما تقدم على معالجة جزئية متقدمة عن الحلول السابقة، لكن هذه المعالجة لم تتبلور بشكل نهائي .
ووفقا لمصادر مطلعة، فان ازمة تدني رواتب القطاع العام، ووقف التوظيف، الى جانب مشكلة الغلاء المتفاقم، ادت كلها الى مزيد من تردي وضع هذا القطاع، وتراجع عدد العاملين فيه باكثر من خمسة آلاف موظف، منهم من ذهبوا الى القطاع الخاص، ومنهم من سافروا الى الخارج، ومنهم من تقاعد .
وتشير المصادر الى ان ازمة الرواتب لم تعد ازمة اجتماعية تطاول العاملين في القطاع العام، بل باتت تهدد ادارات ومرافق الدولة، الامر الذي يقتضي من الحكومة ان تضعها في اولويات اهتمامها .
وفي ظل هذا المشهد الاجتماعي المتردي، يقول مصدر نقابي انه في احد الاجتماعات الاخيرة مع مرجع كبير، جرى الحديث عن تكليف لجنة لدرس الازمة، وهذا لا يبعث على التفاؤل بقرب الحلول الجدية لهذه المعضلة . ويضيف ان هناك خطرا حقيقيا بات يحدق بالادارات العام واداء مرافق الدولة، اذا لم تسارع الحكومة الى اقرار خطوات جدية لحل ازمة الرواتب، وان الاستمرار بسياسة الترقيع، وما يسمى المساعدات او التقديمات الشهرية لم يعد مقبولا، لان هذه السياسة هي بمثابة اعطاء حبة اسبيرين لمريض يعاني من اشتراكات وامراض متعددة .
ويقول المصدر ان اللجوء الى الاضراب والتصعيد، سببه هذه السياسة التي اتبعتها الحكومة منذ سنة وحتى اليوم، مؤكدا ان الوضع لم يعد يحتمل، بعد ان فرغت الرواتب والاضافات من قيمتها، وباتت كرامة الموظفين مستباحة . ويشير الى ان الاضراب الذي دعت اليه رابطة موظفي الادارة العام امس وحتى الاحد، هو خطوة اولى احتجاجا على تجاهل الحكومة لمطالبها، ورفضها تصحيح الاجور والرواتب والمعاشات .
وتطالب الرابطة باعادة القيمة الشرائية لرواتب الموظفين بالدولار الاميركي، كما كانت عشية الازمة المالية والاقتصادية عام 2019، والمحافظة على التقديمات التي يتقاضاها الموظفون، وضمها الى اساس الراتب الى حين اصدار سلسلة رتب ورواتب جديدة .
والى جانب ازمة العاملين في القطاع العام المدنيين والعسكريين، تبرز ايضا ازمة معاشات المتقاعدين التي وصلت الى حدود دنيا، عدا عن ازمة التعويضات ومعاشات التقاعد منذ ما بعد ازمة العام 2019 الى اليوم، التي يقول المصدر النقابي ان البحث في معالجتها ما زال يدور في حلقة مفرغة .
ويحذر المصدر من ان غياب الحلول لازمة الرواتب والاجور والمعاشات، يهدد بانفجار اجتماعي كبير، ما لم تتدارك الحكومة الموقف قريبا .



