أصحاب المهن الخاصة يُضيئون أصابعهم العشرة بالمولدات

أعصاب أصحاب المهن الخاصة، رهينة طلبات الزبائن الملحّة المتمايلة على نغمة الكهرباء وأوتار التقنين. لئن أصروا على الموعد المرتقب، لذهبت رزقة صاحب المهنة مهب الريح. وإن استشعروا مع مقدم الخدمة التي يبحثون عنها، وهي ليست خدمة عامة، لكسب قوت يومه. هذه قصة لقمة الافراد المغمّسة بالدمع في ظل سياسة الدولة الظالمة “كهربائياً” التي لا تشعر بنتائج فشلها بملف الكهرباء، منذ ان بشّر الوزير السابق للطاقة جبران باسيل بنفسه كـ “نبي” الكهرباء، ووقعها على من يحملون عدة عملهم ويتنقلون بين المنازل او من فرشوا ارض محل صغير على قدر طموحاتهم التي ما عادت تتخطى الكسب اليومي.

النمط المملّ للعمل الذي تخوضه كل من كسروان، المتن وجبيل، سببه الدولة، التي دفعت شريحة كبيرة من أصحاب المهن للجوء الى خيار شراء مولد خاص، لتفادي الحجر الاقتصادي المنزلي. يترك بيار أبي يونس (جبيل)، وهو صاحب ملحمة ابي يونس، سريره الساعة ثانية صباحاً ليشغّل مولده الخاص لتغطية فرق تقنين مولد الحي، وذلك كي لا يخسر ما خزنه من لحوم إضافة الى دوام النهار والليل.

اللاجئون الى حل شراء المولد أغلبهم من منتجي المأكولات كي لا ترمى تلك في النفايات. يخبر صاحب باتيسري في كسروان جان سركيس انه إضافة لاقتنائه مولداً صغيراً قلص عدد البرادات ليحمل المولد الثقل الذي يحفر في قلبه، فانتاجه القليل يوازي عدد الزبائن الذي تضاءل بنسبة سبعين بالمئة نسبة للسنوات السابقة الأمر الذي يبشر بان كل القطاع ضُرب. عمومية الحال في لبنان تثلج صدره اذ انه على حد تعبيره إن وصل البلد الى حافة الانهيار فهذه ستكون إشارة الى ان البلد كله سيثور ولن يعود الأمر متعلقاً به وحده.

أسعار المولدات ليست “كلمة بالتّم” اذ شرح مهندس كهرباء من شركة تبيع مولدات، رواد ابي نقّول لـ”نداء الوطن” أسعار المولدات التي تختلف أسعارها بحسب حجمها فكلما كانت قوة ضخ الكهرباء اكبر كلما ارتفع سعر المولد فيصل الى ستة آلاف دولار نقداً وادناه ثلاثمئة دولار لتأمين الكهرباء 24 على 24. لا تبيع بعض الشركات على حد توصيفه المولدات المنزلية بل تتجه نحو الاحجام الكبيرة علماً ان هناك ارتفاعاً بنسبة اللجوء الى شراء مولدات تعمل على المازوت لان المادة ارخص من البنزين.

العتمة، يعلّق “شغل الايد” الذي يتكّل على تقليم التفاصيل الصغيرة فينفد الصبر، هكذا يختصر الكندرجي فارتان (المتن) يومه، أما زميله الياس فلجأ الى تصليح الاحذية على ضوء البطارية التي لا تكفي الا عشر دقائق لتلبية زبون وليس اكثر ليكون مدخوله على حجم “تصليحة” او اثنتين. هؤلاء يعيشون بحلقة مفرغة يتصدى لها عنادهم كي يزاولوا عملاً ما في دولة أصبحت تفضل العاطلين عن العمل. أما المصوّر غريغوري جاكوزيان (المتن) فيهرب الى ضوّ الشمس والطبيعة عندما لا تلوّن الإضاءة الكهربائية الصورة في المناسبات لكنه تحسباً لأي طارئ اشترى “يو بي أس” و “بطاريات” كلّفته اكثر من ثلاثمئة دولار نقداً ليستلحق عمله في الأعراس، او داخل الاستديو الذي يجري فيه المونتاج.

لم يعد السؤال اليوم كيف يتعايش أصحاب المهن الخاصة مع أزمة الكهرباء، بل الاجدر تصويب الإشكالية لتكون: هل من أحياء وهل من حياء للدولة للتعاطف مع الافراد الذين يريدون ان يأكلوا ولا يملكون الا مهنة “على قد بساطن”!

 

مصدرنداء الوطن - ريتا بولس شهوان
المادة السابقة“يا ناطرين” البطاقة التمويلية… إبدأوا البحث عن بدائل أكثر جدية
المقالة القادمةجابر: أصبح الجميع شريكاً في التشريع ومتابعة القوانين