الرئيسية اقتصاد لبنان أوروبا دفعت ثمن الابتعاد عن الغاز الروسي: استقلال الطاقة أم انتقال من...

أوروبا دفعت ثمن الابتعاد عن الغاز الروسي: استقلال الطاقة أم انتقال من تبعية إلى أخرى؟

بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع ​الحرب الروسية الأوكرانية​، لم تعد أزمة الغاز في ​أوروبا​ مجرد مسألة تتعلق بتأمين الإمدادات، بل تحوّلت إلى اختبار اقتصادي طويل الأمد لقدرة القارة على حماية صناعاتها والحفاظ على تنافسيتها. فقرار تقليص الاعتماد على ​الغاز الروسي​، الذي شكّل لعقود ركيزة أساسية للاقتصاد الأوروبي، فرض إعادة رسم خريطة الاستيراد والبحث عن موردين بديلين، وفي مقدمتهم ​الولايات المتحدة​.

لكن هذا التحول يطرح سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز الاعتبارات السياسية: هل نجحت أوروبا في تحقيق استقلالها الطاقوي، أم أنها استبدلت اعتمادها على الغاز الروسي بتبعية جديدة للغاز الطبيعي المسال الأميركي، بكلفة أعلى على الصناعة والمستهلك؟

فاتورة اقتصادية تجاوزت أسعار الغاز

ترى مصادر متابعة عبر “​النشرة​” أن تقليص الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي رتّب كلفة اقتصادية باهظة، ظهرت بوضوح خلال أزمة الطاقة عام 2022، عندما تجاوز سعر الغاز في السوق الأوروبية المرجعية (TTF) مستوى 300 يورو لكل ميغاواط ساعة.

ومن الناحية الاقتصادية، يعني هذا التحول أن أوروبا أصبحت أكثر ارتباطًا بسوق عالمية تتنافس فيها مع آسيا على الشحنات المتاحة، بعدما كانت تعتمد بصورة واسعة على إمدادات الغاز عبر الأنابيب والعقود الطويلة الأمد.

هل يمكن أن يعيد الغاز الروسي التوازن إلى الأسعار؟

في ظل هذه المعطيات، يعود النقاش حول الجدوى الاقتصادية لإعادة استيراد كميات أكبر من الغاز الروسي، خصوصًا مع استمرار الضغوط على الصناعة الأوروبية.

وتشير المصادر الى أن عودة الغاز الروسي بكميات كبيرة قد تؤدي إلى انخفاض الأسعار، نظرًا إلى أن نقله عبر الأنابيب أقل كلفة عمومًا من استيراده في صورة غاز طبيعي مسال، ما قد يساعد المصانع الأوروبية على استعادة جزء من قدرتها التنافسية.

غير أن هذه الفرضية تصطدم بعقبات سياسية وقانونية كبيرة، في مقدمتها القرار الأوروبي بالتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي. ويشمل ذلك وقف الواردات بموجب العقود الطويلة الأمد للغاز المسال اعتبارًا من كانون الثاني 2027، على أن يكتمل حظر الغاز عبر الأنابيب بحلول خريف العام نفسه.

وتلفت المصادر الى إن عودة الإمدادات الروسية قد تمنح أوروبا مكسبًا اقتصاديًا على المدى القصير، لكنها ستمنح موسكو في المقابل مكسبًا استراتيجيًا يتمثل في استعادة نفوذها داخل سوق الطاقة الأوروبية.

وتكشف التطورات الأخيرة أن المخاطر لم تنتهِ مع تقليص الاعتماد على ​روسيا​. فقد حذّرت وكالة رويترز، في تقرير نشرته في 12 تشرين الأول 2026، من استمرار ارتفاع أسعار الغاز الأوروبي نتيجة انخفاض المخزونات واضطراب الإمدادات العالمية، وسط توقعات بألا تعود الأسواق إلى مستويات ما قبل الأزمة الأخيرة قبل عام 2028.

وهكذا، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة: فهي تسعى إلى تقليص اعتمادها على روسيا لأسباب استراتيجية وأمنية، لكنها تتحمل في المقابل كلفة اقتصادية قد تطول انعكاساتها على صناعاتها.

وبين الغاز الروسي الأقل كلفة في بعض الظروف، والغاز الأميركي الأكثر مرونة في تأمين الإمدادات، لا يبدو أن التحدي الأوروبي يقتصر على اختيار المورد، بل يمتد إلى القدرة على تنويع المصادر وخفض الاستهلاك وتعزيز الإنتاج المحلي.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أوروبا بناء استقلال طاقوي يحمي اقتصادها من الأزمات، أم أنها ستظل تنتقل من تبعية إلى أخرى، فيما تدفع صناعاتها ومستهلكوها ثمن التحولات الجيوسياسية؟

مصدرالنشرة
المادة السابقةوزارة المالية تبتكر ضريبة على الانهيار: محاولة جديدة لقضم جزء من الودائع
المقالة القادمةخطة قطرية لإنقاذ الكهرباء: ماذا سيقّدم لبنان لإنجاح المشروع؟