تشكّل ضرائب الاستهلاك 78.5% من مُجمل الإيرادات الضريبية. هذه ليست معلومة عابرة، بل تكتسب أهميتها الآن أكثر من أي وقت مضى، في ظل غياب سياسة حكومية للأسعار والأجور وكلفة المعيشة. فالأسعار ترتفع، لأسباب محلية وخارجية، فيما ينتقل هذا العبء حتى يستقرّ عند من لا يستطيع نقلها إلى أحد، أي المستهلك المقيم في لبنان. السلطة في لبنان تتعمّد اعتماد هذا الخيار في كل الحالات، سواء في أيام الأزمات أو الاستقرار، من دون أي نقاش جدّي في النظام الضريبي والغاية من فرض الضريبة أساساً، وهي بالتالي تتعامل مع ارتفاع الأسعار كأنه قناة للحصول على التمويل، لا باعتباره مشكلة اقتصادية تتطلّب نقاشاً اقتصادياً في سياسات الأجور والضرائب.
في مشروع موازنة 2027، ازدادت الإيرادات الضريبية بقيمة 88.6 تريليون ليرة، أي نحو مليار دولار، لتبلغ 528.2 تريليوناً. نصف هذه الزيادة، أو نحو 552 مليون دولار، يأتي من بندين مرتبطين مباشرة بالاستهلاك: 328 مليون دولار من زيادة إيرادات الرسوم على المواد الملتهبة، و224.5 مليون دولار من زيادة إيرادات الضريبة على القيمة المُضافة. وكلّما احتاجت الحكومة إلى تمويل إضافي، لجأت سريعاً ومن دون نقاش، إلى الضرائب على الاستهلاك؛ فزادت رسم الاستهلاك الداخلي على البنزين، واقترحت زيادة الضريبة على القيمة المُضافة من 11% إلى 12% ووافق مجلس الوزراء على المشروع وأحاله إلى مجلس النواب.
هذا النوع من الضريبة يؤثّر مباشرة على استهلاك الأفراد، ويدخل أيضاً في كلفة النقل والتوزيع والنشاط الاقتصادي. وهذا يحصل في اقتصاد لم تتوقف فيه الأسعار أصلاً عن الارتفاع، فكيف هي الحال مع ارتفاع أسعار النفط العالمية؟
في آب 2026، بلغ معدّل التضخم السنوي 16.66% وفق الإدارة المركزية للإحصاء، لكنّ وطأته كانت أشدّ في بعض البنود الأساسية من موازنة الأسر. فقد ارتفعت كلفة النقل 31.72%، وارتفعت كلفة المياه والكهرباء والغاز والمحروقات 32.06%، وزادت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية 11.65%. أي إن المستهلك يحمل أثقالاً من ارتفاعات الأسعار ما عدا تلك التي أصابته بسبب التغيّر في سعر الصرف اعتباراً من عام 2019. ورغم ذلك، تواصل السلطة استهداف المطارح الضريبية نفسها، أي الاستهلاك.
هنا تبدأ الطبقة الثانية من الأعباء. فالضريبة التي تفرضها الدولة، أو الزيادة في كلفة أحد مدخلات العمل، لا تعني بالضرورة أن المؤسّسة ستقتطعها من أرباحها. وقد لخّص رئيس جمعية تجار بيروت المعروف بـ «أبو رخوصة»، نقولا شماس، موقف أصحاب العمل بوضوح: «كيف تفرض الدولة علينا ضرائب ثمّ تطالبنا بعدم رفع الأسعار؟»، مستعيناً بالمثل الشعبي: «ما تناموا بين القبور ما بتشوفوا منامات وحشة». يكفي كلام شماس للقول إن المؤسّسات تمرّر كل ضريبة إلى المستهلك لتحافظ على هوامش الربحية لديها، بمعزل عن ارتفاع الأكلاف.
سياسة السلطة قائمة على هذه العلاقات تحديداً. حماية إيرادات الدولة، السماح للشركات بحماية أرباحها، السماح بتآكل القدرة الشرائية للمستهلك، أو إبطاء هذا التآكل لا وقفه. فعندما تصبح كلفة وصول العامل إلى عمله مشكلة بحدّ ذاتها، لا يكون الحلّ بالضرورة تصحيح الأجر، بل إضافة رقعة جديدة إليه. وهذا ما حصل أخيراً في ملف بدل النقل. فأصحاب العمل وافقوا على زيادة البدل إلى ما يعادل خمسة ليترات من البنزين عن كل يوم حضور إلى العمل، حتى لا يضطروا إلى تصحيح الأجور. الأنكى من ذلك، أنهم يرون في زيادة بدل النقل «تضحية» من أصحاب العمل لأنها تحمّلهم 66 دولاراً إضافياً شهرياً. الواقع، أن الأجر تشوّه إلى درجة أن بدل النقل صار يمثّل 55% من الحدّ الأدنى للأجور.
المشكلة أن أصحاب العمل يرفضون طرح العمال تصحيح الحدّ الأدنى للأجور إلى 1200 دولار، ووزير العمل محمد حيدر وسائر أعضاء الحكومة يقفون على الحياد مع أن لديهم القدرة على الوصول إلى أرقام إدارة الإحصاء المركزي! أمّا ممثلو العمال فيتناوبون على بيع المواقف للزعيم، فما الذي ستناقشه لجنة المؤشّر عندما ستنعقد في المرة المقبلة؟ هل ستناقش أسباب الغلاء وسياسات الأجور ومن يتحمّل أكثر في هذا المجتمع، أم ستناقش أدوار هؤلاء وعلاقتهم بعضهم ببعض؟
ارتفاع الأسعار وتآكل الأجور وكلفة النقل والضرائب والقدرة الشرائية ليست ملفات منفصلة يُفترض أن تتوزع بين الوزارات المختلفة، بحيث يعالج كل جهاز الجزء الذي يقع أمامه. يُفترض أن تكون هناك، قبل ذلك، سياسة حكومية لكلفة المعيشة توضح الأولويات ومسؤولية كل جهة. لكنّ الحكومة الحالية حصرت جزءاً كبيراً من خطابها وأولوياتها بملف واحد عن حصر السلاح. أمّا الخطابات التي تُثار مراراً وتكراراً عن هذا الأمر، مثل خطاب رئيس الحكومة نواف سلام أمام مجلس النواب عن ارتفاع أسعار السلع والحاجات الأساسية والتضخم وكلفة المولّدات، فلم نرَ أن هناك نقاشاً بشأنها في مجلس الوزراء. يعرف المواطن أن الأسعار ارتفعت، وتعرف الحكومة ذلك أيضاً، لكن ما لا يعرفه، هو خطتها للتعامل مع الأمر!
هوامش الربح أساس النقاش
يطرح رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية جمال إبراهيم حيدر مقاربة تنطلق من التمييز بين أسباب ارتفاع الأسعار، والطريقة التي تنتقل بها هذه الارتفاعات إلى السوق. يعتقد حيدر أن وزارة الاقتصاد لا تستطيع التحكّم بالأسعار العالمية أو بالصدمات الخارجية، لكنها تستطيع التدخل في آليات انتقال الضغوط إلى الأسعار المحلية عبر تقليص غموض السوق والحدّ من السلوك الانتهازي وتعزيز المنافسة. فالأسعار، تتأثّر أيضاً بالتسعير غير الشفاف، وبتفاوت الهوامش، والتخزين، والعوائق التي تحدّ من دخول منافسين جدد إلى السوق. لذا، يقترح التعامل مع عناصر تكوّن هامش الربح نفسه من خلال إرشادات واضحة للممارسات السعرية غير العادلة ونطاقات مقبولة لمستويات السعر على السلع الأساسية. ويشير إلى ضرورة استهداف التخزين وخلق الندرة المُصطنعة، وتسهيل دخول مستوردين ومورّدين جدد إلى الأسواق التي يتركّز فيها التوزيع، عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليل التأخير والتنسيق مع الجمارك، انطلاقاً من أن زيادة عدد المورّدين تعني منافسة أكبر وقد تحدّ من قدرة اللاعبين القائمين على فرض زيادات في الأسعار.



