تدفع إسرائيل لبنان أكثر فأكثر إلى الارتماء في أحضانها تحت ذرائع اقتصادية مختلفة. وسواء أدرك لبنان أم لم يدرك، فإن جميع التحركات، سواء تلك التي يقوم بها اليوم أو التي تقوم بها إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة الأميركية، تصبّ في الخانة نفسها: ضمّ لبنان إلى كونسورتيوم غازي ناشئ. وما الحديث عن “منطقة اقتصادية” أو “تعاون اقتصادي محتمل” سوى تمهيد لهذا الهدف.
اتفاقية الغاز
منذ حوالي أسبوعين، وقّع لبنان ومصر إتفاقية ثنائية تقوم بموجبها الأخيرةُ بمدّ لبنان بالغاز عبر سفن متخصصة لصالح إستخدامه في معامل إنتاج الكهرباء كذلك فعلت سوريا ومصر قبل حوالي اسبوع. وقد جاءت الإتفاقية في توقيت سياسي واقتصادي مهم للغاية، أبرزُ عناصره إلغاءُ مفاعيل “قانون قيصر” عن سوريا، وهو ما كان يشكّل عائقاً مباشراً أمام استفادة لبنان من إمدادات الطاقة المصرية. أمّا العنصر الثاني فيتمثل في دخول لبنان بمفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل تحت عنوان “الميكانيزم”، حيث تطرح تل أبيب تعاوناً اقتصادياً مع بيروت فيما يحاول لبنان تجنب ذلك عبر تركيزه على المطالبة بإنسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة ما بعد 27 تشرين الثاني 2024. فيما يرتبط العنصر الثالث بإنجاز لبنان ترسيم الحدود البحرية مع قبرص.
عملياً، يعتبر الاتفاق مع مصر معقّد، ويتطلب ترتيبات تقنية فضلاً عن ضرورة تطوير البنية التحتية الكهربائية اللبنانية، ولا سيما شبكات النقل غير القادرة حالياً على تحمل ساعات تغذية طويلة. وعلى ما يتبين، لا يهدف الإتفاق إلى توريد غاز فوري للبنان، لكن ما يثير الانتباه هو توقيت الاتفاق نفسه، إذ يحضر بعد أقل من شهر على توقيع مصر اتفاقاً هو الأكبر من نوعه مع إسرائيل يسمح للأولى بتأمين احتياجاتها من الغاز حتى عام 2040، وبالتالي يمكن الافتراض أن هذا الاتفاق يمنح مصر مساحةً معينة لتوسيع شبكة تعاونها الإقليمي وتعزيز مكانتها كمركز لتوزيع الغاز في المنطقة، وفي ضوئه يمكن الإفتراض أن جزءاً من الغاز الذي قد يصل إلى لبنان، ليس بالضرورة مصري المنشأ.
في هذا الوقت، تعمل إسرائيل على استثمار هذه التطورات لدفع لبنان نحو الاندماج في منظومة غازية مرتبطة بمشروع خط شرق المتوسط الهادف إلى تزويد أوروبا بالغاز بديلاً عن الغاز الروسي، في مسار يتعارض مع المصالح التركية.
وخلال جلستي التفاوض المباشر بين الوفدَيْن المدنيين اللبناني والإسرائيلي على هامش اجتماعات “الميكانيزم” في الناقورة، جدّد الوفد الإسرائيلي طرح فرضيات التعاون الاقتصادي مع لبنان، ليس في البحر فقط بل على اليابسة أيضاً. ومن الواضح أن إسرائيل، تركز على موجودات الغاز غير المكتشفة في المياه اللبنانية الجنوبية، ولا سيما قرب الخط الحدود البحرية 23.
إسرائيل تريد غاز لبنان
تشير دراسات حصلت عليها “المدن” سابقاً إلى أن الحقول غير المكتشفة عند رأس الخط 23، لا سيما في البلوكين 8 و9، تحوي كميات كبيرة من الغاز. ويمكن هنا العودة إلى “حقل قانا” في البلوك 9، حيث أعلنت شركة “توتال” بصفتها صاحبة حق التنقيب أنه لا يحوي كميات اقتصادية مناقضة دراسات سابقة، فقامت بإقفال البئر الاستكشافية بالإسمنت وماطلت في رفع التقرير النهائي إلى الدولة اللبنانية منذ عام 2022، مع بقائها متمسكة بحقوق الاستكشاف فيه، وهو ما يثير العديد من علامات الاستفهام.
أمّا البلوك 8، الذي نزعت الحكومة اللبنانية حديثاً حقّ المسح الثلاثي الأبعاد فيه من شركة دنماركية لصالح “توتال”، تعزز الانطباع بوجود مصالح سياسية واقتصادية متشابكة، خاصة أن المسوحات الثنائية الأبعاد أظهرت حقولاً محتملة متداخلة مع المياه “الإسرائيلية”، وغير بعيدة عن حقلي “كاريش” و”تانين”، أهمها حقل مشابه من حيث الشكل الهندسي لوضعية موقع “قانا” يقع على حدود الخط 23 ضمن البلوك 8 اللبناني إذ يتداخل بين خطي الحدود.
سر البلوك 8
وهنا يتضح مغزى اندفاع تل أبيب نحو التعاون مع لبنان، ولا يغيب عن الذاكرة تصريحُ مدير شركة “إنرجين” البريطانية/ الإسرائيلية، اليوناني ماثيوس ريغاس، عام 2022، حيث أبدى جهوزية شركته للدخول في مجال العمل داخل الحقول اللبنانية ضمن كونسورتيوم تختاره الحكومة اللبنانية بالتعاون مع إسرائيل. ومن هنا يمكن فهم سبب امتناع الشركات الأجنبية لغاية الآن عن الاستثمار في الحقول اللبنانية بذريعة الأزمات، مقابل استمرارها في الاستثمار داخل المياه المحتلة.
من البحر إلى اليابسة
لا يقتصر نمط التعاون الاقتصادي الذي تسعى خلفه إسرائيل على البحر فقط، بل يشمل اليابسة أيضاً، ولا سيما منطقة الناقورة التي تحاول تل أبيب سلخها عن الأراضي اللبنانية تحت عنوان “منطقة اقتصادية”. فهذه المنطقة تشكل بيئة مثالية لإقامة منشآت لمعالجة الغاز المستخرج.
لبنان وقبرص
أما اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، والتي أثارت جدلاً تقنياً واسعاً، فلا يمكن فصلها عن المخططات الإسرائيلية المستقبلية، رغم كل النفي، خصوصاً في ظل اتفاقية التعاون العسكري والتقني الموقعة حديثاً بين إسرائيل وقبرص واليونان، وهي الدول نفسها الواقعة على خط نقل الغاز البحري، الذي تطمح تل أبيب لبنائه، وتتعاون فيما بينها غازياً..
لبنان الذي وجد نفسه عالقاً ـ بشكل غير مباشر ـ في حلف من هذا النوع نتيجة اندفاعة غير مدروسة من سلطته السياسية، يُدفع اليوم أكثر فأكثر باتجاه هذا المسار. ويعتقد خبراء في هذا المجال أن لبنان لا يستطيع حالياً تقديم ما يُذكر ضمن هذا الحلف، بل إن الاحتمال الأكبر هو أن يذوب داخله أو يتحول مجرد مستخدم فيه، أي منصة لاستغلال ثروته الغازية من دون عائد فعلي. ويستدل على ذلك من حديث وزير الطاقة الإسرائيلي عن تعديل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، بما يعكس منسوب التفوق الإسرائيلي.
“ورطة” مع تركيا
سياسياً، يمكن القول إن لبنان ورّط نفسه في سياسة أحلاف وتموضعات تفوق حجمه، وتطال في جزء منها تركيا. فصحيح أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أجرى مؤخراً اتصالاً مع رئيس الجمهورية جوزيف عون عقب إعلان بيروت ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، وبعد موجة استياء تركية بلغت مستوى إبداء وزير الخارجية التركي استغرابه الشديد من تموضع لبنان ضمن منتدى غاز شرق المتوسط، إلا أن أردوغان رمى إلى انتهاج سياسية تعاطي مختلفة مع لبنان تقوم على الاحتواء لا المواجهة، وهذا نابع من فهم تركي عميق للوضعية اللبنانية.
لكن ذلك لا يعني أن أنقرة ستتساهل طويلاً مع ما تعتبره “الاستهداف الغازي لها”، بدليل القرار السوري بتجميد خطط ترسيم الحدود البحرية مع لبنان بذريعة تقدم الملف الأمني على ما عداه. ويُذكر أن ثمة حقولاً مشتركة بين لبنان وسوريا متنازع عليها، يعتقد خبراء إنها واعدة أكثر من نظيراتها جنوباً، إلا أنها باتت اليوم معلّقة بسبب الخلافات حول خطوط الترسيم، وهو ما يعيق استثمارها لبنانياً على الأقل وإلى أمد غير معلوم.
وفي خضم هذه التناقضات، لا يمكن تجاهل الدور الروسي الحاضر بقوة على الساحل السوري، قرب مسار الخط الغازي الإسرائيلي – اليوناني – القبرصي، وعلى مقربة أيضاً من الحقول الغازية السورية والتركية.



