بعد اثنين وثمانين عاماً من النشاط المستمر، يقفل فندق “الكومودور” اليوم أبوابه في بيروت نهائياً وبلا عودة، مُنهياً مسيرة تاريخية بدأت عام 1943، جعلت منه واحداً من أشهر فنادق العاصمة وأكثرها حضوراً.
عاصر الفندق الحرب الأهلية اللبنانية من بابها الواسع، وتحول خلال تلك الحقبة إلى شاهد حي على أحداثها وتقلباتها، وعُرف بـ”فندق الصحافة” لاحتضانه الصحافيين والمراسلين الأجانب الذين اتخذوا منه مقراً دائماً لتغطية مجريات الحرب.
وعلى امتداد سنوات نشاطه، شكّل الكومودور محطة دائمة لاستقبال الزوّار وتقديم الخدمات الفندقية، وحافظ على حركة ضيافة يومية ارتبطت بنبض المدينة. وقد شهدت غرفه وردهاته مرور آلاف الضيوف المحليين والدوليين واحتضان فعاليات متعددة، ليغدو جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والحضري لبيروت، وحاضراً في تفاصيل منطقة الحمراء. ومع إغلاقه اليوم، يُسدل الستار على فصل طويل من تاريخ العمل الفندقي في العاصمة، وعلى معلم شكّل ذاكرة مكان وزمان.
سبب الإقفال
غير أنّ إقفال الفندق، لا يمكن فصله عن واقع سياحي وفندقي مأزوم يرزح تحت أعباء قانونية ومالية متراكمة، في ظل غياب أي خطة إنقاذ حقيقية للقطاع. فما الذي دفع فندقاً بحجم ورمزية “الكومودور” إلى اتخاذ قرار الإقفال النهائي؟
رجّحت مصادر خاصة لـ”المدن” أن تكون خلفيات إقفال فندق الكومودور مرتبطاً بتعقيدات قانونية ومالية ناجمة عن ملف الإيجار وعلاقة الفندق بالجهة المستأجرة، في ظل تعثر المفاوضات وعدم التوصل إلى تسوية تضمن استمرارية التشغيل، من دون صدور موقف رسمي من إدارة الفندق أو الجهة المالكة يوضح الأسباب النهائية للقرار.
في هذا السياق أوضح نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر لـ”المدن” أن عدداً من المؤسسات كانت تعمل بعقود إيجار للفنادق، مشيراً إلى أن التفاوض جارٍ حالياً بين أصحاب المؤسسات والمستأجرين لتحديد قيمة الإيجار وتفادي أي إقفال آخر محتمل. وأضاف أن بعض الحالات تتسم بالتعقيد، لاسيما تلك التي يمتلك فيها الأفراد جزءاً من الفندق ملكاً خاصاً بينما يُستأجر الجزء الآخر، وهي ملفات قانونية يباشر المحامون معالجتها.
وأشار الأشقر إلى أن هذه التحديات تتركز في الفنادق القديمة بمنطقة الحمرا، حيث يشمل بعضها إيجاراً جزئياً. ومع ذلك، أكد أن الفنادق المماثلة لحالة “الكومودور” ليست مهددة بالإقفال، إذ تستمر المفاوضات حول الاستمرار أو الإقفال، مع احتمال التوصل إلى اتفاق بشأن الإيجارات أو عدمه.
ولفت الأشقر إلى أن السبب الرئيسي وراء انحسار التهديد بالإقفال يعود إلى أن معظم الفنادق في لبنان مملوكة لأصحابها، بينما تقتصر مشكلة الإيجار على عدد محدود من الفنادق القديمة في بيروت، التي تواجه تحديات قانونية وإدارية معقدة.
أعباء تشغيلية مرتفعة
تشهد إدارات الفنادق اليوم ضغوطاً تشغيلية غير مسبوقة نتيجة الارتفاع الحاد في كلفة الكهرباء والمياه، التي كان من المفترض أن لا تتجاوز نسبتها 8 إلى 10 في المئة من إجمالي النفقات، بينما تصل حالياً إلى 25–30 في المئة في معظم الفنادق، فيما قد يصل استهلاك مولدات الكهرباء إلى 40 في المئة وفق سعر المحروقات، كما تتحمل الفنادق أيضاً تكاليف إضافية للمياه نتيجة الانقطاع المتكرر للخدمة، ما يضطرها لشراء صهاريج بأسعار تبدأ من 100 دولار، في وقت شهد دعم المصارف تراجعاً خلال السنوات الماضية، بعدما كان يوفر قبل الأزمة نحو مليوني ليرة لتغطية النفقات التشغيلية، وهو مبلغ بات اليوم غير كافٍ، وفق ما أفاد به الأشقر.
وأوضح أن الحد الأدنى لتشغيل الفندق كان سابقاً يتراوح بين 45 و55 في المئة، لكن مع ارتفاع الكلفة أصبح الفندق بحاجة إلى نسبة إشغال تتجاوز 55 في المئة على مدار السنة لتغطية نفقاته، وأي إشغال أعلى من ذلك يمثل ربحاً.
كما أن انفجار مرفأ بيروت بحسب الأشقر قضى على نحو 3000 غرفة فندقية، فيما أدت جائحة كورونا إلى تقلص أعداد السياح، لتتفاقم الأزمة بعد الحرب الأخيرة على لبنان، مؤكداً أن قطاع الفنادق مرتبط بشكل مباشر بالوضع السياسي والعسكري في البلاد.
ولفت إلى أن السياح القادمين إلى لبنان بأعداد كبيرة، خاصة من المغتربين، لا يزالون قليلي العدد، إذ لا يتجاوز مجموع السياح مليون شخص سنوياً، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الأزمة حين كان عددهم يتخطى المليوني و300 ألف.
وفي حديث خاص إلى “المدن”، كشف مالك أحد أكبر فنادق بيروت، إلى أنه تكبّد كلفة تقارب 20 مليون دولار لإعادة تأهيل الفندق وإعادة هندسته، مؤكداً أنه لا يعوّل على استرداد هذا المبلغ في ظل تراجع أعداد النزلاء منذ أكثر من عشر سنوات واعتماده على أعداد محدودة جداً من المغتربين، إلا أن الفندق لا يزال يواصل العمل على أمل تحسّن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، مع الإشارة إلى أن الاعتماد على هذا العدد الضئيل من الزائرين لا يغطي التكاليف التشغيلية ولا يضمن استمرارية العمل على المدى الطويل.
إقفال الكومودور أكثر من مرة
اشتهر فندق الكومودور بدوره كمركز رئيسي لإقامة الصحافيين الأجانب خلال الحروب والأزمات التي شهدها لبنان. فمع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، تحوّل إلى نقطة ارتكاز للصحافة العالمية، ومساحة لقاء دائمة جمعت صحافيين أجانب ولبنانيين وعرب، حتى بات يُوصَف بـ”وزارة الاتصالات” غير الرسمية مع مختلف قوى الأمر الواقع في ذروة الأزمات. وقد وفّر آنذاك بنية لوجستية متقدمة شملت شبكات اتصالات محلية ودولية، إلى جانب شبكة من المتطوعين اللبنانيين الذين رافقوا الوفود الصحافية وسهّلوا عملها. غير أنّ هذا الدور توقّف عام 1986، حين أُقفلت أبوابه على وقع موجة خطف الصحافيين والرهائن الأجانب.
وبعد انتهاء الحرب الأهلية، أُعيد ترميم الفندق وافتُتح مجددًا عام 1996، إلا أنّه لم يستعد مكانته التاريخية ولا دوره الإعلامي السابق، ومع تفاقم الانهيار الاقتصادي لاحقًا، ثم تداعيات جائحة كورونا، دخل الفندق مرحلة أفول واضحة، انعكست أيضاً على محيطه التجاري الذي صمد طويلًا قبل أن ينهكه الواقع، ليصبح حاله شبيهاً بعشرات الفنادق في بيروت ولبنان التي أصابها الوهن في خضم الأزمات المتلاحقة.
بإقفال فندق الكومودور، لا يُطوى فصل فندقي فحسب، إنما تختتم صفحة من ذاكرة بيروت المضيافة والسياحية ليعكس هذا القرار عمق الأزمة التي يرزح تحتها قطاع تُرك يواجه الانهيار من دون سياسات إنقاذ أو رؤية مستدامة أو ظروف ملائمة للعمل، وإذا كان فندق بحجم ورمزية الكومودور عاجزاً عن الاستمرار، فكيف ستنجو بقية المؤسسات السياحية في بلد بات يستهلك تاريخه أكثر مما يبني مستقبله؟



