الرئيسية اقتصاد دولی إيران: كلفة الحرب تصل إلى مضخات البنزين

إيران: كلفة الحرب تصل إلى مضخات البنزين

لم تعد كلفة الحرب والعقوبات في إيران تظهر فقط في تراجع صادرات النفط أو انهيار سعر العملة، بل بدأت تصل إلى تفاصيل الحياة اليومية، من خلال سلعة شديدة الحساسية بالنسبة للإيرانيين: البنزين. فقد بدأت طهران، الثلاثاء، تطبيق زيادة جديدة على سعر الوقود للمستهلكين الذين يتجاوزون حصتهم الشهرية المدعومة، في خطوة تعكس اتساع الضغوط التي يواجهها الاقتصاد بعد أشهر من الحرب والعقوبات الأميركية.

وبموجب النظام الجديد، يدفع من يستهلك أكثر من 110 لترات شهرياً 100 ألف ريال للتر، أي ضعف السعر الذي كان مطبقاً منذ ديسمبر/كانون الأول. أما الحصة المدعومة فتظل قائمة، وتشمل 60 لتراً بسعر 15 ألف ريال و50 لتراً بسعر 30 ألف ريال للتر. وتقول الحكومة إن الهدف هو كبح الاستهلاك المرتفع وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب، مع توجيه الإيرادات الإضافية إلى الأسر.

لكن توقيت القرار يمنحه دلالة تتجاوز إدارة استهلاك الوقود. فالحكومة لم تربطه صراحة بالحرب مع الولايات المتحدة، واكتفت بالإشارة إلى “الوضع الحالي”، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً متزامنة على صادراتها النفطية وتجارتها وعملتها، فيما أدت العقوبات والقيود على حركة التجارة إلى تضييق مصادر النقد الأجنبي. وتظهر بيانات التجارة أن الصادرات غير النفطية تراجعت بنحو 30% خلال الأشهر الأولى من السنة الإيرانية الحالية مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتكشف أزمة البنزين نفسها جانباً آخر من الاختلال الاقتصادي. فقد بلغ الاستهلاك الإيراني مستوى قياسياً عند نحو 145 مليون لتر يومياً في أغسطس/آب، بينما تبلغ القدرة المحلية على الإنتاج نحو 122 مليون لتر، ما يضطر البلاد إلى استيراد الكمية المتبقية. وبذلك تجد إيران، رغم كونها واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم، نفسها أمام فجوة في البنزين تحتاج إلى تمويلها في وقت تتراجع فيه قدرتها على الوصول إلى الأسواق والعملات الصعبة.

ولا تعود مشكلة الاستهلاك المرتفع إلى الحرب وحدها. فأسطول السيارات القديم، وصعوبة الحصول على قطع الغيار، وضعف وسائل النقل العام عوامل ساهمت منذ سنوات في زيادة الطلب على الوقود. لكن الحرب والعقوبات تضيف طبقة جديدة من الضغط، إذ تجعل تأمين الإمدادات وتمويل الواردات أكثر صعوبة، بينما تؤدي زيادة الأسعار إلى نقل جزء من الكلفة إلى المستهلك مباشرة.

وهنا تكمن حساسية القرار. فرفع سعر البنزين لا يتوقف أثره عند محطات الوقود، بل يمكن أن ينتقل إلى تكاليف النقل وتوزيع السلع والخدمات، وبالتالي إلى أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية. ويأتي ذلك في اقتصاد يعاني أصلاً من تضخم سنوي يقترب من 67% وفق مركز الإحصاء الإيراني، ومن تراجع حاد في القوة الشرائية.

أسطول السيارات القديم، وصعوبة الحصول على قطع الغيار، وضعف وسائل النقل العام عوامل ساهمت منذ سنوات في زيادة الطلب على الوقود

ويزداد المشهد صعوبة مع انهيار قيمة الريال. فقد وصل الدولار، الاثنين، إلى نحو 2.22 مليون ريال في السوق، وفق تقارير حديثة، في مؤشر جديد على اتساع الفجوة بين قيمة العملة وقدرة الإيرانيين على شراء السلع المستوردة أو المرتبطة بتكلفة الاستيراد. وكل انخفاض إضافي في قيمة الريال يرفع كلفة الواردات، بما فيها الوقود الذي تحتاج إيران إلى استيراد جزء منه لسد الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.

وتكشف هذه التطورات أن الضغط الاقتصادي بدأ ينتقل من المؤشرات الكلية إلى الحياة اليومية. فتراجع صادرات النفط يعني موارد أقل من العملات الأجنبية، وتراجع التجارة يعني صعوبة أكبر في توفير السلع، وضعف الريال يرفع كلفة الاستيراد، بينما يؤدي نقص البنزين إلى دفع الحكومة نحو تقليص الدعم تدريجياً. وتتحول هذه العوامل مجتمعة إلى ارتفاع في تكلفة المعيشة بالنسبة للأسر.

وتحمل زيادة أسعار البنزين أيضاً بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي. فالوقود المدعوم يُنظر إليه منذ عقود باعتباره حقاً مكتسباً، وكانت زيادة الأسعار في 2019 سبباً في اندلاع احتجاجات واسعة تحولت إلى اضطرابات على مستوى البلاد، قبل أن تواجه بحملة أمنية دامية. لذلك فإن السلطات تدرك حساسية أي قرار يتعلق بالوقود، وهو ما يفسر الإبقاء على معظم الحصص المدعومة واستهداف المستهلكين الأعلى استهلاكاً بدلاً من رفع الأسعار على الجميع.

وتبدو الإجراءات الأمنية حول محطات الوقود مؤشراً إضافياً إلى هذه الحساسية. فقد شهدت بعض المحطات إغلاقاً مؤقتاً لتعديل الأسعار، بينما ظهرت قوات أمنية في محيط بعضها مع بدء تطبيق التعرفة الجديدة، وسط مخاوف لدى المواطنين من أن تؤدي الزيادة إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وبذلك، لا يمثل قرار البنزين مجرد محاولة للحد من الاستهلاك، وإنما يكشف عن اقتصاد بدأ يستشعر آثار الحرب على مستوى أكثر مباشرة. فالمؤشرات التي كانت تظهر في السابق في أرقام النفط والتجارة وسعر الصرف، بدأت تتحول إلى قرارات تمس ميزانية الأسرة نفسها.

وقد يكون هذا هو الاختبار الأصعب أمام طهران في المرحلة المقبلة: ليس فقط قدرتها على مواصلة الحرب وتحمل العقوبات، وإنما قدرتها على توزيع كلفتها من دون أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى أزمة اجتماعية. فالبنزين الرخيص كان لعقود إحدى أدوات الدولة لتخفيف أعباء المعيشة، أما ارتفاع كلفته الآن فيشير إلى أن هامش المناورة الاقتصادي بدأ يضيق.

ومن هذه الزاوية، تصبح مضخة البنزين مؤشراً صغيراً على أزمة أكبر: حرب تضغط على الإيرادات، وعقوبات تضيق خيارات التجارة، وعملة تفقد قيمتها، واستهلاك يتجاوز الإنتاج، وحكومة تضطر تدريجياً إلى إعادة النظر في الدعم. وهي كلها مؤشرات على أن كلفة الحرب لم تعد تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل بما يدفعه الإيرانيون يومياً مقابل حياتهم العادية.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةغرفة التجارة البريطانية-اللبنانية تنضم رسمياً إلى شبكة غرف التجارة البريطانية الدولية
المقالة القادمةقمة العلمين الثلاثية.. مصر وقبرص واليونان تعزّزان الشراكة في الطاقة والأمن