ابتكارات المصارف الجديد… لَيْلَرة الودائع والتخلي عن الدولار

قبل أيام قليلة تقدم أحد زبائن مصرف ما بطلب سحب حصته الشهرية من حسابه بالدولار بحسب التعميم رقم 151. إلا ان المفاجأة كانت برفض المصرف اتمام العملية قبل توقيع العميل على نموذج “سحب نقدي من حساب صغير بموجب التعميم الأساسي 148″. هذا النموذج يسمح للمصرف بـ”تحويل أرصدة حسابات الدائنين المتعلقة بالحسابات المذكورة أعلاه وجميع حسابات المعرّف المصرفي ذات الصلة إلى الليرة اللبنانية بسعر الصرف، الذي سيتحدد وفقاً للآلية التي يتم تحديدها في التعميم 148 وإلى امكانية خصم أو تسوية أي حساب يعود للعميل”.

المغالطات الثلاث/ إستنسابية المصارف

المفارقة هنا ان حساب العميل لا يتوافق مع التعميم 148 المتعلق بالحسابات التي تقل عن 3 آلاف دولار أو 5 ملايين ليرة، فهو يملك مبلغاً يفوق الـ 100 الف دولار، هذا أولاً. أما ثانياً فان هذا النموذج لا يطبق على أصحاب الارصدة الصغيرة أو الرواتب الموطنة بالدولار، والذين يستفيدون تلقائياً من التعيم 151، أي سحب قيمة معينة من الدولار شهرياً على اساس سعر صرف المنصة، والمحدد آنياً بـ 3850. أما ثالثاً والأخطر فان هذا النموذج المفروض من المصرف يجبر العميل على الموافقة على تحويل كافة ارصدة حساباته المفتوحة لدى البنك المعني إلى الليرة اللبنانية، وبالسعر الذي يحدده المصرف.

يشير أحد المصرفيين الى ان “ارغام المودعين على توقيع مثل هذا النموذج هو استنسابي وليس قاعدة عامة معتمدة في كل المصارف”. وبرأيه فان هذا السلوك ما هو “الا تكرار فاشل لمحاولة أحد اكبر المصارف تطبيق مثل هذا الاجراء قبل فترة وجيزة، ليعاد سحبه سريعاً وفي اليوم نفسه بعد احداثه ضجة كبيرة في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتجمهُر المودعين والثوار أمام المصرف مهددين بتحطيمه”.

الضغط “المخملي”

أما عن السبب الذي قد يدفع المصارف إلى اتخاذ مثل هذه الاجراءات الظالمة والمخالفة للقواعد والاصول، فهو “تقليص الديون”، يقول المصرفي. “فتحويل 100 الف دولار إلى الليرة اللبنانية يعني عملياً تراجع مطلوبات البنك، المدولرة بنسبة 70 في المئة، تجاه المودعين. وبالتالي فان تحويل المطلوبات من الدولار، العاجز عن دفعه، الى الليرة يعتبر امراً محبباً للمصرف. خصوصاً اذا كانت مطبعة مصرف لبنان “شغالة”، والبنوك تستطيع الحصول على ما تريد من مبالغ بالليرة اللبنانية”.

السبب الثاني الذي يدفع المصارف إلى اعتماد هذه الاساليب باستغلال زبائنها فهو ببساطة “لانها تستطيع”. وهذا ما يعرف تقنياً بـ Abuse of dominant position أما باللغة المحكية فهو ضغط “مخملي”. فالمصرف، أي مصرف، هو القابض على الاموال والمتحكم بها. ورغم اتهامه بإساءة الامانة وإخلاله بالعقود الموقعة مع زبائنه، فان لا احد لغاية اللحظة يستطيع ارغامه على تسييل الودائع بالعملة التي وضعت فيها. ولديه حرية التصرف بدفع جزء بسيط منها بحسب التعميمين 148 و151 أو دفعها بواسطة شيك مصرفي، لتخرج من عنده وتعلق في مصرف آخر. حتى ان الدعوات القضائية التي ترفع لم ولن تأخذ طريقها الى التنفيذ.

إستغلال المودعين

أخطر ما في الامر ان إجبار المصارف على تحويل كـامل الوديعة الى الليرة اللبنانية سائر على قدم وساق.

وقد مر وسيمر على بعض المودعين بسبب الحاجة أو الجهل. فارتفاع معدلات البطالة الى اكثر من 50 في المئة واستمرار حالات الصرف من العمل، ستجبر الكثيرين من صغار المودعين الذين يملكون بضعة آلاف من الدولارات على سحبها لتأمين معيشتهم، بغض النظر عن الشروط والاملاءات المصرفية. وجزء آخر قد يوقّع على مثل هذا التنازل للمصرف عن جهل وعدم دراية. وفي جميع الاحوال فان بعض المصارف تستفيد من كل تنازل يوقّعه الزبون في تقليص دينها أكثر على حساب المودعين.

 

المصدر: “نداء الوطن”

المادة السابقةقطاع الخلوي: جرعة للمورّدين لا تُبعد الخطر
المقالة القادمةالأثرياء “يعانون” بعد كورونا…