ابتكار لبناني: سيارة تعمل بالطاقة الشمسيّة وتراعي مستلزمات ذوي الاحتياجات الخاصة

على الرغم من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المعقدة التي واجهها لبنان على امتداد العقود، برزت قدرة أبنائه على تحويل القيود إلى محركات للاختراع والإبداع، ليبرهنوا أن الموارد المحدودة والظروف الصعبة لا تمثل عائقا أمام تطوير صناعات متقدمة تضاهي أعلى المعايير العالمية. لقد بيّنت التجربة الوطنية أن التصنيع المبتكر لا يرتبط بالضرورة ببيئة مثالية أو تمويل وفير، بل بالإرادة والرؤية والإصرار على تطوير حلول تكنولوجية وصناعية تلبي احتياجات المجتمع المحلي وتفتح آفاقًا للتوسع خارج الحدود، مؤشّرةً على قدرة اللبنانيين على المنافسة في الأسواق العالمية رغم كل العقبات.

الاحلام الصناعية الكبرى الى الواقع!

من هنا، يشكل قطاع الصناعات الخلاقة والنقل الذكي نموذجا حيًا على هذا الطموح، حيث يتم تصميم مركبات ومعدات تجمع بين الكفاءة العالية والتقنيات المتقدمة، بما يواكب أحدث الشروط الصناعية والتكنولوجية على المستوى الدولي. وبالتالي، لا تكتفي هذه المشاريع بخدمة المجتمع المحلي فحسب، بل تمتد لتصبح قادرة على المنافسة في الأسواق العربية والغربية، مما يؤكد أن لبنان يمتلك طاقات صناعية وإبداعية تتجاوز القيود الجغرافية والموارد التقليدية، وتضعه ضمن دائرة الدول القادرة على الابتكار في مجالات تقنية معقدة.

وبناء على ما تقدم، فقد اظهر التاريخ اللبناني مرارا قدرة أبنائه على جعل العقبات فرصة للريادة، وتحويل الحواجز من غياب البنى التحتية المتقدمة أو شح الموارد إلى محفّزات لتصميم مشاريع مبتكرة كان يصعب تصورها حتى في أكثر الدول تجهيزا ودعمًا. إن هذا الواقع يعكس مدى فعالية الإرادة الفردية والجماعية في إنتاج حلول صناعية وتقنية متكاملة، ذات أثر ملموس على الصعيدين المحلي والدولي، ويبرهن أن لبنان هو كمختبر حقيقي للتفوق والتجدد في أحلك الظروف.

تصميم عابر للحدود

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع «ليرة تاكسي» كمثال حيّ على هذه القدرة الوطنية، إذ لم يقتصر على تطوير سيارة كهربائية ذكية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى ابتكار مفهوم متكامل للنقل المستدام، بما في ذلك تطوير سيارة طائرة ضمن إطار الصناعات الخلاقة والتقنيات المتقدمة. ويجسد هذا المشروع قدرة لبنان على إنتاج صناعات محلية عالية الكفاءة، تمتد إمكاناتها لتشمل الأسواق العربية والغربية، مما يثبّت بالدليل القاطع أن الطاقات اللبنانية ليست محدودة بمساحة الوطن أو موارده، بل تمتلك القدرة على المنافسة عالمياً وتحقيق حضور صناعي ملموس.

الاستراتيجية اللبنانية “عبقرية”!

وعلى مستوى آخر، يسلّط المشروع الضوء على جانب نادر عالمياً في صناعة السيارات، وهو الجمع بين التقنيات الحديثة للطاقة المتجددة ومستلزمات ذوي القدرات الخاصة. فقد صُممت المركبة لتكون صديقة للبيئة، بالاعتماد على الطاقة الشمسية والكهرباء، وفي الوقت ذاته تراعي حقوق واحتياجات الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو عنصر غالباً ما يقتصر على الدول المتقدمة مثل سيارات Black Cab في لندن، لكنه تمكّن من تطبيقه لبنان من قلب تحدياته المحلية، ما يعكس تفوقه في الجمع بين الابتكار الصناعي والبعد الإنساني في آن واحد.

باختصار، مشروع «ليرة تاكسي» ليس مجرد تجربة صناعية محلية، بل نموذج متكامل يبرز قدرة لبنان على الابتكار والإبداع، ويجسّد رؤية مستقبلية للنقل المستدام والشامل.

تجربة صناعية غير مسبوقة

وعن هذا الموضوع، يقول هشام الحسامي، وهو مهندس ومبتكر لبناني في مجال صناعة السيارات، ومصمّم سيارة «ليرة» و«التاكسي الطائر» في لبنان: “إنّ مواصفات سيارة «ليرة تاكسي» الذكية تجعلها ليست مجرّد سيارة أجرة تقليدية، بل منصّة نقل ذكي جرى تصميمها لإنهاء الفوضى في قطاع سيارات الأجرة، واستبدالها بخدمة منظّمة وشفافة وآمنة، تقوم على معايير حديثة تواكب رؤية لبنان 2030”.

ويكشف لـ «الديار»: “أنّ المركبة طُورت وفق رؤية تقنية متكاملة، تبدأ بمنظومة الطاقة والتشغيل، إذ تعمل بالكهرباء ومدعومة بالطاقة الشمسية عبر ألواح مرنة مثبّتة على السقف، ما يساهم في خفض كلفة التشغيل، والحدّ من التلوّث، وترسيخ مفهوم النقل المستدام. وفي موازاة ذلك، تعتمد العربة نظام تسعير شفاف قائماً على عدّاد رقمي مدمج في كل سيارة، يحتسب كلفة الرحلة بشكل واضح وعادل، ويضع حدًّا للتسعير العشوائي، مانحاً الراكب ثقة مسبقة بالكلفة المتوقعة. وبهذا النظام، تختفي المفاوضات والمفاجآت والاستنسابية، لتكون الرحلة محسوبة بدقّة منذ لحظة الانطلاق وحتى الوصول”.

سيارة تكنولوجية بامتياز!

وفي ما يتعلّق بمعايير السلامة، يؤكّد: “أنّ «ليرة تاكسي» تضع أمان الركّاب في صدارة أولوياتها، إذ جُهِّزت المقصورة الداخلية بكاميرات ذكية مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتوثيق الرحلات وتعزيز السلامة، إلى جانب كاميرا للرؤية الليلية (Night Vision) ترفع مستوى الأمان أثناء القيادة في الظروف الصعبة. كما تعتمد الالية نظام DMS لمراقبة سلوك السائق ومستوى انتباهه خلف المقود، في خطوة تهدف إلى الحدّ من الحوادث وتثبيت القيادة المسؤولة، بما يؤمّن حماية متبادلة للراكب والسائق ضمن إطار رقمي منظّم”.

التعامل بين الطرفين “مضبوط”!

وفي إطار تنمية الشفافية وبناء هوية موثوقة للخدمة، يوضح: “أنّ كل سيارة مزوّدة برمز تعريفي (QR Code) يتيح للراكب الاطلاع على بيانات أساسية تسهم في توطيد الثقة وتنظيم العلاقة بين الطرفين، بحيث تصبح كل رحلة موثّقة، ويُكرَّس مفهوم النقل المسؤول كقاعدة أساسية في هذه النسخة التجريبية الجديدة”.

خدمة سوبر “راقية”!

وفي ما يخصّ تجربة الركوب، يشير إلى: “أنّ «ليرة تاكسي» تقدّم نموذجا غير مسبوق في قطاع النقل، إذ جرى تجهيز السيارة بخدمة إنترنت لاسلكي مجاني داخل المقصورة، وشاشة سقفية بقياس 14 إنش تتيح للركّاب متابعة مسار الرحلة أو الاستفادة من خيارات ترفيهية متنوعة. كما تضمّ المركبة برّاد مياه يوفّر قنينة مجانية لكل راكب، إلى جانب تصميم داخلي عملي ومدروس يهدف إلى رفع درجة الراحة وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل خلال الرحلة”.

وفي خطوة إضافية لكسر الحواجز التواصلية، ولا سيّما مع السياح والوافدين، تعتمد «ليرة تاكسي» جهاز ترجمة متعدد اللغات يسهّل التواصل بين السائق والراكب، بما يضمن تجربة أكثر سلاسة ويقوّي البعد الخدماتي والإنساني لهذا المشروع.

ويضيف: “أنّ قيادة «ليرة تاكسي» مصمّمة لتكون ذكية وسهلة للسائق، إذ زوّدت المركبة بشاشة Android قياس 10 إنش للتحكّم الكامل في مختلف أنظمة السيارة، ومرآة ذكية مدمجة تعمل بنظام Android مرتبطة بأنظمة الرؤية والمراقبة، لتوفير بيئة قيادة منظمة وحديثة تسهّل التحكم وتحصّن السلامة”.

ولذوي الاحتياجات “حق”!

ويكشف في ختام حديثه: “ان المشروع لا يقتصر على السائق وحده، بل يمتدّ ليشمل جميع الركّاب، إذ أُنشئت السيارة وادواتها الفنية والتقنية لتراعي متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة، في خطوة غير مسبوقة على صعيد النقل في لبنان، حيث لم تُجهَّز أي عربة أجرة محلية بمثل هذه التقنيات، على عكس سيارات” Black Cab “في لندن، التي تُعدّ مجهزة لهذه الفئة. لذا، اتطلع من خلال «ليرة تاكسي» الى تقديم اطار شامل للنقل الإنساني، يجمع بين الطاقة الشمسية، عدّاد تسعير واضح، أمان ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي وأنظمة DMS والرؤية الليلية، تجربة ركاب متقدّمة، تواصل متعدد اللغات، وخدمة شاملة لجميع الفئات، بما في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة، ليكون بذلك أول تاكسي في لبنان يجمع هذه المواصفات المتكاملة”.

مصدرالديار - ندى عبد الرزاق
المادة السابقةتوضيحات لـ«المالية» حول الضريبة على أرباح «صيرفة»
المقالة القادمةلبنان في مواجهة السموم الرقميّة: فاتورة صحيّة باهظة وقنبلة بيئيّة توشك على الانفجار