ما إن حصل التصعيد الأخير على الأراضي اللبنانيّة في بداية الأسبوع الماضي، حتّى طُرحت التساؤلات حول تداعياته النقديّة، ولا سيما لجهة تأثيره المحتمل على سعر صرف الليرة وكفاية احتياطات مصرف لبنان. فخلال جولة القتال الحاليّة، تراجع حجم المساعدات الخارجيّة الواردة إلى الدولة اللبنانيّة قياسًا بحرب عام 2024، لأسباب قد تتصل بالأبعاد الإقليميّة للنزاع. وبطبيعة الحال، فرضت الاستجابة الطارئة للحرب نفقات إضافيّة ستتكبّدها الخزينة العامّة، ومن خارج النفقات المتوقّعة سابقًا. وفي حال عدم كفاية الإيرادات الموجودة أساسًا، وهذا غير مؤكّد أبدًا حتّى اللحظة، سنكون أمام عجزٍ سيموّل إمّا بخلق النقد بالليرة أو السحب من الاحتياطات المدولرة، أو الإثنين معاً.
في هذا المقال، تعود “المدن” لأرقام المصرف المركزي، للبحث عن كفاية ودائع الدولة لدى المصرف لبنان، والسيناريوهات المحتملة لكيفيّة استعمالها خلال التصعيد الراهن، مع الأخذ بالاعتبار تداعيات هذه السيناريوهات على الوضع النقدي وتوازنات العرض والطلب. وهذا ما يستلزم النظر، من جهة أخرى، لوضعيّة احتياطات العملات الأجنبيّة، والتحوّلات التي طرأت عليها خلال الفترة الماضية، في مقابل حجم الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة اللبنانيّة.
ودائع الدولة المتراكمة في المركزي
بات معروفًا للقاصي والداني أنّ للقطاع العام ودائع ضخمة في مصرف لبنان. وهذا البند تراكم طوال السنوات السابقة، بفعل الفوائض التي جرى تحقيقها في الميزانيّة العامّة، أي بفعل تجاوز حجم الإيرادات الإنفاق الفعلي للخزينة. ولغاية أواخر شهر شباط الماضي، كان حجم هذه الودائع قد ارتفع ليلامس حدود 9.21 مليار دولار أميركي، مقارنةً بـ9.16 مليار دولار أميركي في منتصف الشهر نفسه. وبذلك، يمكن القول أنّ القطاع العام حقّق فائضًا، أي زيادة في ودائعه لدى مصرف لبنان، بقيمة 46.27 مليون دولار، خلال فترة نصف شهر (بين منتصف وأواخر شهر شباط).
وتجدر الإشارة إلى أنّ حجم هذه الودائع كان يقارب حدود 8.47 مليار دولار أميركي، في أواخر تشرين الأوّل من العام 2025. وبهذا المعنى، تكون الفوائض المُسجّلة في حساب القطاع العام قد تجاوزت الـ 695.69 مليون دولار أميركي، خلال الأشهر الأربعة الماضية، وبمعدّل شهري يقارب 174 مليون دولار أميركي.
هذه الأرقام تدلّ على أنّ الدولة اللبنانيّة كانت تُحقق، قبل اندلاع الحرب هذا الشهر، فوائضًا شهريّة في الميزانيّة العامّة. بمعنى أنّ الإيرادات العامّة كانت تتجاوز أساسًا النفقات المُقدّرة في الموازنة. وهذا الهامش، يسمح للدولة بزيادة الإنفاق العام ضمن حدود معيّنة، من دون الوصول إلى مرحلة العجز. مع الإشارة إلى أنّ الدولة تملك أيضًا خيار تأجيل بعض النفقات غير الطارئة، لزيادة الإنفاق على حاجات الاستجابة الطارئة. بل ويمكن التذكير أيضاً بأنّ الدولة تستفيد حاليًا من إيرادات إضافيّة، يتم تحقيقها من خلال الرسم المفروض على البنزين، والذي لم يُقابل -حتّى اللحظة- بزيادات الرواتب والمعاشات التقاعديّة التي كان يُفترض أن يموّلها للقطاع العام.
كفاية الاحتياطات
من الناحية العمليّة، يمكن التساؤل حول سيناريو ارتفاع حاجات الإنفاق العام، لتتجاوز النفقات الطارئة الفائض الذي كان يتم تحقيقه سابقًا في الميزانيّة العامّة. وفي هذه الحالة، يمكن الحديث طبعاً عن حق الدولة في استخدام ودائعها المراكمة في المصرف المركزي، والتي يقترب حجمها كما أسلفنا الذكر من حدود 9.21 مليار دولار أميركي.
غير أنّ المشكلة تبقى طبعًا احتمال ضرب سعر صرف الليرة، في حال تم استعمال هذه الودائع بالليرة اللبنانيّة. مع الإشارة إلى أنّ حجم الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة اليوم لا يتجاوز -عند احتسابه بالدولار الأميركي- مستوى 776.93 مليون دولار أميركي، ما يؤشّر إلى سهولة ضرب توازنات العرض والطلب على العملة الصعبة في حال تم ضخّ كميات كبيرة من السيولة بالليرة في السوق.
الحل البديل قد يكون تدخّل المصرف المركزي، عبر استعمال احتياطاته بالدولار للحفاظ على سعر صرف الليرة، في حال استعملت الدولة اللبنانيّة ودائعها المتراكمة سابقًا بالليرة اللبنانيّة. أو يمكن كذلك السماح بالإنفاق من هذه الودائع، بالدولار الأميركي، ما سيمس كذلك بحجم هذه الاحتياطات. مع العلم أنّ تقارير إعلاميّة عدّة أفادت سابقًا بأنّ مصرف لبنان قرّر تخصيص مبلغًا يوازي حدود المليار دولار، للدفاع عن سعر الصرف الحالي، من دون أن تتبيّن حتّى اللحظة آليّة استعمال هذه المبالغ.
وفي هذا الإطار، من المفيد التذكير بأنّ حجم احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة كان قد ناهز حدود 11.88 مليار دولار أميركي في بداية هذا الشهر، مقارنة بنحو 8.76 مليار دولار أميركي فقط عند مغادرة رياض سلامة لمنصبه في نهاية شهر تمّوز 2023. وبهذا الشكل، ارتفع حجم هذه الاحتياطات بنحو 3.12 مليار دولار أميركي، خلال فترة سنتين وسبعة أشهر. وخلال هذه الفترة، استفاد مصرف لبنان بأشكال متعدّدة من تراكم ودائع القطاع العام لديه، للتمكن من امتصاص الدولارات من السوق.
في خلاصة الأمر، سيحتاج المصرف المركزي خلال هذه الفترة الدقيقة للموازنة بين أولويّتين: حماية سعر صرف الليرة اللبنانيّة، وتأمين حاجات الدولة من ودائعها. ومن الواضح أنّ حجم الاحتياطات المتوفّرة، إلى جانب الفوائض التي كانت موجودة أساساً في الميزانيّة العامّة، سيسمحان للمصرف المركزي بإدارة المرحلة بأقل قدر ممكن من الاستنزاف.



