قبل ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب، كان الإنتاج المحلّي في لبنان يعاني من تفاقم الأعباء التي تعيق توسيع استثماراته المحلية وتمنع ولوجه إلى الأسواق الخارجية. وكان سعر الطاقة المدعوم قبل انهيار المصارف والليرة، بالكاد يشكّل عنصراً في المنافسة مع مصانع الدول القريبة، أمّا بعد الانهيار وتحرير أسعار الكهرباء، فصارت الكلفة تمثّل ثقلاً أكبر وزناً من سعر المبيع النهائي للسلعة.
ثم جاء ارتفاع أسعار النفط الناتج من الحرب ليعمّق المشكلة ويدفع المنتجين المحليين إلى رفع أسعارهم بأكثر من 25%. وينعكس الأمر أكثر على فاتورة استيراد المشتقات النفطية التي تمثّل 21% من مجمل الاستيراد في عام 2025، ما سيُترجم عجزاً أكبر في ميزان المدفوعات وتدهوراً يضاف إلى كل النتائج الكارثية التي بدأت في نهاية 2019 واستمرّت مفاعيلها لغاية اليوم من خلال ضياع المدّخرات المصرفية وانكسار الأجور المحلية والهجرة.
يتأثّر الإنتاج اللبناني مباشرة بتقلّبات الأسعار الخارجية، وأهمّها أسعار النفط وكلفة الشحن. تشمل هذه التقلّبات ربطة الخبز والصناعات الثقيلة وكلفة نقل البضائع والأفراد. وبحسب أرقام الجمارك اللبنانية، فإن فاتورة استيراد كل أنواع المشتقات النفطية في لبنان بلغت في عام 2025 نحو 4.5 مليارات دولار، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار عالمياً بأكثر من 30%، سينعكس بوزن كبير على استيراد هذه السلع التي لا يمكن الاستغناء عنها كثيراً، بمبلغ إضافي يُقدّر أن يصل إلى مليار دولار في عام 2026.
خطورة الرقم لا تكمن فقط في حجمه، بل في أثره على التوازن المالي، إذ إن ارتفاع فاتورة الطاقة لا يعني فقط زيادة في الاستيراد، بل يفتح فجوة إضافية في ميزان المدفوعات، أي في صافي تدفّق العملات الأجنبية إلى لبنان. وبغياب مصادر مستقرة للعملة الصعبة، تتحوّل هذه الفجوة مباشرة إلى ضغط على احتياطات لبنان من العملات الأجنبية.
ففي لحظة كان فيها مصرف لبنان يحاول، ولو بشكل محدود، إعادة ترميم هذه الاحتياطات بعد سنوات من الاستنزاف، تأتي كلفة الطاقة المرتفعة لتعيد وضعها تحت الضغط. هنا تحديداً، يبرز البعد النقدي للأزمة. فعودة العجز في ميزان المدفوعات تعني عملياً تراجع القدرة على تمويل الحاجات الأساسية بالعملات الأجنبية، سواء للقطاع العام أو للسوق ككل. ومع محدودية البدائل التمويلية، يصبح الحفاظ على استقرار سعر الصرف أكثر هشاشة، خصوصاً إذا ترافقت هذه الضغوط مع تباطؤ في تدفّقات الخارج أو تراجع في المساعدات.
ولا يبقى الأثر محصوراً بالمؤشرات المالية. فمع تقلّص القدرة على تأمين التمويل، تجد الدولة نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: توسيع العجز أو تقليص الإنفاق. وفي الحالتين، تتراجع قدرتها على لعب أي دور تحفيزي في الاقتصاد، سواء عبر الاستثمار أو دعم القطاعات المُنتِجة. هذا المسار لا يجمّد فقط مشاريع التعافي، بل يعمّق الركود القائم، بحسب ما يشرح مدير المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله، مشيراً إلى أنّ «الحكومة تحاول معالجة المشكلة عبر الاستدانة. للأسف».
في موازاة ذلك، يمتد تأثير أسعار الطاقة إلى بنية الأسعار في الاقتصاد. فالطاقة تدخل في كل مراحل الإنتاج، من الزراعة إلى الصناعة والنقل والتخزين، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها ينتقل تلقائياً إلى أسعار السلع، خصوصاً الغذائية منها. لذا، يصبح تضخم الأسعار ذا بُعد اجتماعي واضح ينعكس مباشرة على ميزانيات الأسر، ولا سيما تلك التي تُصنّف ضمن «ذوي الدخل المحدود» والتي يتركّز إنفاقها على الغذاء والسلع الأساسية.
هذا مسار يتفاقم أكثر بفعل خصوصية نموذج الطاقة في لبنان. فبدلاً من أن يخفّف من وقع الأزمة، يُسهِم في تعميقها. الاعتماد الواسع على المولّدات في الأحياء، والتي تستهلك كميات كبيرة من المشتقات النفطية بكفاءة منخفضة، يجعل كلفة الطاقة محلياً أعلى من المعدّلات العالمية. أي إنّ لبنان لا يدفع فقط ثمن ارتفاع الأسعار، بل يدفع أيضاً كلفة إضافية ناتجة من ضعف البنية التحتية وغياب البدائل الفعلية. ورغم أنّ الطاقة الشمسية شهدت توسّعاً ملحوظاً في السنوات التي تلت 2019، إلا أنّ هذا التوسّع بقي محدوداً ولم يصل إلى مستوى يُحدِث تحوّلاً جذرياً في معادلة الإنتاج.
فضل الله يختصر هذه الحلقة بالإشارة إلى أنّ ارتفاع أسعار الطاقة لا ينعكس فقط على فاتورة الاستيراد، بل يمتد إلى ميزان المدفوعات والاحتياطات، ما يحدّ من قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الأساسية، ويضع الاستقرار النقدي أمام اختبارات جديدة. هذا الترابط بين الطاقة والنقد والمالية العامة يجعل من الأزمة الحالية أزمة مُركّبة، تتجاوز قطاعاً واحداً لتطاول الاقتصاد ككل.
في المقابل، يطرح هذا الواقع ضرورة التفكير في مقاربات مختلفة. فلبنان، كبلد مستورِد للطاقة، لا يملك القدرة على التأثير في الأسعار العالمية، ما يفرض الانتقال من موقع المتلقّي إلى موقع المتكيّف مع الصدمات. هنا، يرى رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية جمال حيدر، أنّ الأزمة يمكن أن تتحوّل إلى فرصة، شرط الخروج من السياسات التقليدية. فالتوسّع في الطاقة البديلة، ولا سيما الشمسية، لم يعد خياراً بيئياً، بل ضرورة اقتصادية لتخفيف كلفة الإنتاج.
لكنّ الطرح لا يقتصر على الاستهلاك، بل يمتدّ إلى الإنتاج، إذ يمكن للبنان، وفق هذه المقاربة، أن يطوّر قطاعاً صناعياً ناشئاً مرتبطاً بالطاقة، مثل تصنيع بطاريات الليثيوم محلياً، عبر إعفاءات ضريبية على المواد الأولية وتشجيع الاستثمار المحلي، مقابل فرض رسوم على المُنتجات المُستوردة. كما أن تحفيز المؤسسات على الاستثمار في أنظمة الطاقة البديلة، عبر حوافز ضريبية مباشرة، قد يساهم في تخفيف الضغط على كلفة الإنتاج تدريجياً، بحسب حيدر.
ورغم بعض العوامل المُخفِّفة، كاعتماد لبنان على مصادر استيراد متنوّعة نسبياً، تبقى المشكلة الأساسية داخلية. اقتصاد هشّ، يعتمد على الطاقة المُستوردة، ويعاني من ضعف في البنية التحتية والبدائل. ومع احتمال ارتفاع فاتورة الاستيراد إلى حدود 6 مليارات دولار في سيناريو أسعار مرتفعة، يصبح هذا العبء أكثر ثقلاً على اقتصاد محدود الإمكانات. إذاً، لم تعد أزمة الطاقة في لبنان أزمة أسعار فقط، بل أزمة نموذج اقتصادي قائم على الاستيراد وردّ الفعل.



