يشهد العالم في الفترة الأخيرة موجة ارتفاع حادة في أسعار النفط والمحروقات نتيجة التصعيد العسكري المرتبط بالحرب مع إيران، وما رافقه من اضطرابات في حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. وقد أدى إغلاق المضيق أو تعطل الملاحة فيه إلى قلق واسع في الأسواق الدولية، نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه هذا الممر في تأمين جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
ويُعد مضيق هرمز نقطة عبور أساسية لصادرات النفط القادمة من دول الخليج نحو الأسواق العالمية، ما يجعل أي توتر عسكري أو تعطيل لحركة الملاحة فيه عاملاً مباشراً في ارتفاع الأسعار. ومع تصاعد المخاوف من نقص الإمدادات، شهدت أسعار النفط ارتفاعات ملحوظة، الأمر الذي انعكس سريعاً على أسعار المحروقات في مختلف دول العالم، خصوصاً الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
وفي لبنان، تبدو تداعيات هذه الأزمة أكثر حدة نظراً لاعتماد البلاد شبه الكامل على استيراد المشتقات النفطية لتلبية احتياجات النقل وإنتاج الكهرباء وتشغيل القطاعات الاقتصادية المختلفة. ومع ارتفاع الأسعار العالمية، ترتفع تلقائياً أسعار البنزين والمازوت والغاز في السوق المحلية، ما ينعكس بشكل مباشر على كلفة المعيشة وعلى أسعار السلع والخدمات.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، ما يجعل قدرته على مواجهة صدمات الأسواق العالمية محدودة للغاية. فالحكومة اللبنانية، في ظل وضعها المالي الراهن، لم تعد قادرة على دعم المحروقات كما كان يحصل في السنوات الماضية، عندما كانت الدولة تتحمل جزءاً من كلفتها بهدف تخفيف العبء عن المواطنين.
كما أظهرت التجارب السابقة أن سياسة دعم المحروقات كانت تؤدي في كثير من الأحيان إلى تهريب جزء كبير من هذه المواد إلى خارج لبنان، ما كان يتسبب بخسائر مالية كبيرة للدولة ويستنزف احتياطاتها من العملات الأجنبية من دون أن يستفيد منها المواطن اللبناني بالشكل المطلوب. كما أن هذا الدعم كان يُموَّل في جزء كبير منه من احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، وهي في الأساس أموال المودعين في المصارف، الأمر الذي ساهم في تعميق الأزمة المالية التي يواجهها لبنان اليوم وزاد من حجم الخسائر التي تكبّدها اللبنانيون على مستوى مدّخراتهم والاقتصاد الوطني.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز دور الدولة في مراقبة الأسواق ومنع الاستغلال، ولا سيما دور وزارة الاقتصاد والتجارة في متابعة الأسعار وضبط المخالفات. فمع ارتفاع أسعار المحروقات، تزداد المخاوف من انعكاسها بشكل مبالغ فيه على أسعار السلع الأساسية، سواء بسبب ارتفاع كلفة النقل أو نتيجة بعض الممارسات الاحتكارية.
ومن هنا تبرز أهمية قيام وزارة الاقتصاد بتشديد الرقابة على الأسواق والتأكد من التزام التجار بالتسعير العادل وعدم استغلال الظروف لرفع الأسعار بشكل غير مبرر. كما تقع على عاتقها مسؤولية متابعة جودة السلع والمواد الغذائية وحماية المستهلك من أي تلاعب أو احتكار قد يحدث في ظل الأزمات الاقتصادية.
وتعمل أجهزة الرقابة التابعة للوزارة عادة على إجراء جولات تفتيشية على الأسواق والمحال التجارية والمستودعات للتأكد من الالتزام بالأسعار المحددة وبشروط السلامة والجودة، إضافة إلى تلقي شكاوى المواطنين واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
إن المرحلة الحالية تتطلب درجة عالية من التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق لضمان عدم تحميل المواطنين أعباء إضافية غير مبررة. فارتفاع أسعار الطاقة عالمياً قد يكون أمراً خارج قدرة لبنان على التحكم به، لكن حماية المستهلك وضبط الأسواق تبقى مسؤولية وطنية أساسية.
وفي ظل استمرار التوترات الدولية وعدم وضوح أفق الأزمة في المنطقة، يبقى التحدي الأكبر أمام لبنان هو كيفية التخفيف من انعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد المحلي وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يتطلب سياسات رقابية فعالة وإدارة اقتصادية قادرة على التعامل مع الأزمات بحزم وشفافية.



