استراتيجية معهد التمويل الدولي للبنان: الذهب لدفع 97 % من الودائع في سنتين

اعتبر د. غربيس إيراديان كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في معهد التمويل الدولي (IIF)، في مقابلة مع “نداء الوطن”، أن قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب، فاشل على عدّة أصعدة. مقترحًا خطة لاسترداد الودائع بحلول العام 2030 تعتمد على 7 عناصر رئيسية، أولها احتياطي الذهب كانطلاقة سريعة لتسديد 97 % من الودائع .

– لماذا يُعدّ قانون “الفجوة المالية” الحكومي معيبًا بشكل جوهريّ؟

يعتري قانون الفجوة المالية فشلًا من حيث المفهوم، ومن الناحية التحليلية والاقتصادية.

بالنسبة إلى المفهوم، يتعامل القانون مع انهيار لبنان كمشكلة محاسبية بدلًا من كونه أزمة اقتصادية شاملة. فهو يفرض اقتطاعات تتجاوز الـ 70 % على المودعين، بينما لا يزال لبنان يحتفظ بحوالى 40 مليار دولار أميركي من الذهب، أي ما يعادل 100 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى نسبة عالميًا. إن الدولة التي تصادر المدخرات وهي تحتفظ بمثل هذه الأصول الاستراتيجية ليست مفلسة في الموارد، بل مفلسة في الاستراتيجية.

من الناحية التحليلية، يتجاهل القانون بديلًا موثوقًا. يُظهر برنامج استرداد التكاليف بالكامل، أنه يُمكن تسوية حوالى 80 مليار دولار من الودائع بحلول عام 2030، مع سداد 97 % من الحسابات بحلول عام 2027. بدلًا من السعي نحو الإنعاش، يُرسّخ قانون الفجوة المالية الخسارة، ويكبح الطلب، ويُبقي الاقتصاد في حالة ركود مطوّل. كما يقضي القانون على أي أمل في استعادة الثقة في النظام المصرفي.

على الصعيد المؤسسي، يعاني الإطار السياسي للحكومة من محدودية القدرات الاقتصادية الكلية. ففي وزارة المالية، أدّى انهيار أجور القطاع العام إلى خسارة فادحة في الكوادر المؤهلة، وأضعف قاعدة التنبؤات والإحصاءات في البلاد. وفي مصرف لبنان، بينما ظلّت التعويضات محميّة نسبيًا، تم اختيار القيادات العليا في الغالب من خلفيات مصرفية وقانونية، مع خبرة محدودة نسبيًا في تصميم السياسات الاقتصادية الكلية والنمذجة الاقتصادية متوسطة الأجل، على عكس الممارسة المتبعة في معظم البنوك المركزية النامية والمتقدمة. ونتيجة لذلك، اعتمدت السياسة بشكل كبير على توقعات خارجية متشائمة للغاية، وغير دقيقة في بعض الأحيان، مما أدّى إلى التقليل من شأن الناتج المحلي الإجمالي، وسوء تقدير ديناميكيات سعر الصرف، وفشل في استيعاب كيف يمكن للإصلاح الشامل أن يُحدث تحولًا جذريًا في المشهد الاقتصادي اللبناني.

علمًا أن لبنان لا يعاني من نقص في الخبرات الوطنية، بوجود العديد من خبراء الاقتصاد الكلي اللبنانيين ذوي الكفاءة العالية، بمن فيهم متخصصون ذوو خبرة طويلة في صندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية أخرى، قادرون تمامًا على تصميم إطار اقتصادي كلي متوسط الأجل ذات مصداقية، مع توقعات متناسقة لخمس سنوات في شأن النمو والتضخم وميزان المدفوعات والمالية العامة والاستقرار المالي، ضمن برنامج إصلاح شامل، سواء بمشاركة صندوق النقد الدولي أو من دونها. ومن شأن حشد هذه الخبرات أن يعزز بشكل كبير مصداقية وجودة صنع السياسات الاقتصادية.

تمويل تسديد الودائع

– هل من الممكن فعلًا تسوية معظم الودائع، وعلى أي أساس مالي؟

نعم، والسبب هو أن استراتيجية التعافي مموّلة بالكامل، ومُعدّة وفق تسلسل منطقي، ومتسقة داخليًا.

يبلغ إجمالي إطار التمويل للفترة 2026 – 2030 حوالى 80 مليار دولار، مموّلة عبر سبعة محاور رئيسية: تسييل الذهب الاستراتيجي وعائداته، إصلاح العملة من خلال إصدار الليرة اللبنانية الجديدة، استرداد التحويلات غير المشروعة، خصخصة وتحسين الأصول، سندات المغتربين، وفائض مالي مستدام.

تعتمد السنة الأولى (2026 – 2027) بشكل كبير على عائدات الذهب ودخله، مما يسمح بسداد سريع لمعظم المودعين. أما السنتان اللاحقتان (2028-2030) فتُستكمل التسوية من خلال الآثار التراكمية لإصلاح العملة، والأصول المستردة، وتمويل المغتربين، وعائدات الخصخصة، والفائض المالي. ولكلّ عنصر توقيت محدد، ومتطلبات حوكمة، وآثار اقتصادية كلية.

هذه ليست مجرّد نظريات، بل هو برنامج اقتصادي كلي قابل للتطبيق.

– لماذا يُعدّ استخدام الذهب أمرًا لا مفرّ منه على المدى القريب، وهل هو ممكن قانونيًا؟

لأن لبنان لا يملك أي أصول أخرى مماثلة من حيث الحجم أو السيولة أو سرعة الاستجابة. فقد نفدت رؤوس أموال البنوك، ولا تزال الميزانية العامة هشة، والمساعدات الخارجية محدودة ومشروطة. أما تمويل صندوق النقد الدولي، حتى في حال الموافقة عليه، فيتطلب وقتًا وإصلاحات جذرية. والذهب هو الأداة الوحيدة القادرة على توفير إغاثة نظامية فورية.

تعتمد خطتي، في سياق برنامج إصلاح شامل، على استخدام الذهب استراتيجيًا: بيع 7 مليارات دولار في عام 2026، و7 مليارات دولار أخرى في عام 2027 لتوفير سيولة فورية لسداد الودائع؛ ورهن 16 مليار دولار لتوليد دخل متكرر بنسبة 5 % سنويًا تقريبًا، مع الحفاظ على نحو ثلثي مخزون الذهب كاحتياطي استراتيجي دائم. يوفر هذا الهيكل تمويلًا فوريًا واستدامة طويلة الأجل.

قانونيًا، يشترط القانون رقم 42 لسنة 1986 الحصول على موافقة البرلمان لاستخدام الذهب، ولكنه لا يمنعه. يملك البرلمان كامل الصلاحية لإصدار قانون دقيق يُجيز استخدام جزء من احتياطيات الذهب بشكل استراتيجي وشفاف، مع التركيز حصرًا على مصالح المودعين، وذلك من خلال ضوابط صارمة وعمليات تدقيق ورقابة. العائق ليس قانونيًا، بل هو سياسي.

حماية المودعين والاقتصاد

– كيف تحمي هذه الخطة المودعين وتُحقق استقرار الاقتصاد في آنٍ واحد؟

صُمّمت الخطة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والتعافي الاقتصادي الكلي معًا.

تُسدد جميع الحسابات التي تقل عن 500,000 دولار بالكامل خلال عامي 2026-2027، ما يغطي حوالى 97 % من المودعين. تستعيد هذه الأسر والمهنيون والشركات الصغيرة مدخراتها بسرعة، مما يُعيد القوة الشرائية والنشاط الاقتصادي. ثم تُسدد الودائع الأكبر حجمًا، والتي تُسمى “غير المؤهلة”، بحلول عام 2030.

تحفز استعادة الودائع سلسلة التعافي: تعود الثقة، وينتعش الاستهلاك، ويتوسع الإنتاج، وتنمو فرص العمل، ويستأنف الائتمان، ويتبعه الاستثمار. يعود النظام المصرفي إلى العمل بكفاءة. تستقر العملة. يُعاد بناء الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي لتصل إلى 35 مليار دولار بحلول عام 2030. ينتقل لبنان من مرحلة البقاء إلى مرحلة النمو المستدام.

تأثير العملة

– لماذا يُعدّ إصلاح العملة عاملًا أساسيًا للاستدامة في المدى البعيد؟

يُمثل إصلاح العملة الركيزة التي تُرسّخ استقرار عملية التعافي بأكملها. وقد اقترح الدكتور صالح نصولي، المدير السابق لصندوق النقد الدولي، مؤخرًا، طرح الليرة اللبنانية الجديدة بسعر صرف 100,000 ليرة لبنانية قديمة، وذلك في سياق برنامج إصلاح شامل. ورغم اختلاف خطتي اختلافًا جوهريًا عن خطته، فقد أدرجتُ إصلاح العملة المقترح ضمن خطتي لإعادة ضبط الإطار النقدي واستعادة الشفافية المحاسبية. وبموجب هذا النظام ضمن خطتي، يتم تمويل المدفوعات السنوية لليرة اللبنانية الجديدة، والتي يبلغ متوسطها حوالى 6 مليارات دولار أميركي، من خلال مزيج من عائدات الذهب، وتحسين أداء ميزان المدفوعات، وزيادة تدفقات رؤوس الأموال غير المقيمة من أبناء الجالية اللبنانية في الخارج ومستثمري دول مجلس التعاون الخليجي، والتمويل الرسمي الميسّر. يتجنب هذا الهيكل، التمويل التضخمي، ويُعيد المصداقية النقدية، ويضمن أن تسوية الودائع، وانتعاش النمو، واستقرار العملة تعزز بعضها بعضًا بدلًا من أن تقوّض بعضها بعضًا.

مصدرنداء الوطن - رنى سعرتي
المادة السابقةمصرف لبنان يخفض الفوائد على الودائع الطويلة الأجل وعلى شهادات الإيداع بالدولار
المقالة القادمة“العملات المستقرة” لاعب جديد في الأسواق: سهولة في الدفع… ومخاطر تتجاوز الحدود