اقتصاد لبنان يخلق وظائف لا تحتاج إلى مهارات: العمل ينحدر نحو الأسوأ

«بالنسبة إلي شغل بلا فايدة»، بهذه العبارة يلخّص واحد من أصل 5000 عامل توصيل «توترز»، رحلته في هذا النوع من الأعمال، أثناء توجهه لتقديم استقالته. ولم يعد السؤال في لبنان اليوم: «لماذا يعمل الناس في خدمات منخفضة القيمة أو متدنية الإنتاجية؟»، بل: «لماذا بقي هذا المسار أساسياً بين الوظائف المعروضة للباحثين عن الدخل الوحيد أو الإضافي؟».

في 2010 كان العاملون في الوظائف المتدنية الإنتاجية يمثّلون 47% من مجموع الوظائف المشغولة، أم اليوم وبعد الانهيار المصرفي والنقدي، أصبح الطلب أكبر على هذا النوع من الوظائف. اقتصاد لبنان لم يعد خلق وظائف بإنتاجية مرتفعة.

الوظائف المتاحة هي في التوصيل أو الدليفري، والفياليه باركينغ، والحراسة الخاصة، وأعمال هامشية أخرى تحوّلت إلى ملاذ للباحثين عن العمل بعدما كانت بعض القطاعات تخلق وظائف ذات قيمة مرتفعة مثل القطاع المالي، والتعليم الجامعي والاستشفاء. الآن، ما هو متاح هو تلك الوظائف «الخفيفة» التي تمتدّ لساعات عمل طويلة مقابل دخل متدنّ ومتقلّب بلا عقود في اقتصاد يقوم على الطلب الآني والكاش، أكثر مما يقوم على الإنتاج أو الاستدامة.

قبل الانهيار، كانت السمة الأساسية في العمل في لبنان هي «الهشاشة البنيوية». في 2010 أظهر تقرير صادر عن البنك الدولي بعنوان «مايلز» إن نسبة العاملين في الوظائف ذات الإنتاجية المتدنية، أي الوظائف التي لا تتطلب سوى مهارات بسيطة مثل القيادة أو القراءة والكتابة أو القدرات الجسدية على الاستيقاظ طول الليل مثلاً، 47% من مجمل العامليين في كل القطاعات اللبنانية.

لم يصدر أي تحديث لهذا التقرير عن الفترة التي سبقت الانهيار أو عن الفترة التي تلته، لكن المعاينة الواقعية تشير إلى أن عدد هذه الوظائف ازداد على حساب تدني وظائف أخرى في اقتصاد منهار.

فالمصارف مثلاً صرفت أكثر من 12 ألف موظّف غالبيتهم يعملون في وظائف تتطلب خبرة ومعرفة علمية غير قليلة، والهجرة طاولت آلاف الشباب دفعت عدداً كبيراً ممن لديهم مهارات مرتفعة في قطاعات التكنولوجيا والوساطة المالية والاستشفاء وحتى في الصحافة وغيرها… هؤلاء لم يعودوا فاعلين اقتصاديين بإرادتهم بل بسبب النقص في الوظائف المعروضة عليهم.

ومن المؤشرات التي يمكن أن تظهر حقيقة هذه المعاينة، تلك المتعلقة بالوظائف غير المصرّح عنها. فغالبية الوظائف في الأعمال التي لا تتطلب مهارات بمستويات مرتفعة، تنضوي في القطاع غير المنظّم.

وبحسب مسح القوى العاملة والأحوال المعيشية 2018 – 2019 الصادر عن إدارة الإحصاء المركزية بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، بلغت نسبة العاملين في وظائف غير منظَّمة 54.9% من إجمالي العاملين، أي أكثر من نصف القوى العاملة.

وبعد الانهيار لم يتحسّن هذا الواقع بل ازداد سوءاً. إذ تُظهر بيانات القوى العاملة لعام 2022 الصادرة عن الإحصاء المركزي، أن نسبة العمالة غير المنظَّمة ارتفعت إلى 62.4%، ما يعكس توسّعاً إضافياً في أنماط العمل الهشّ، ولا سيما في قطاعات الخدمات اليومية والتجارية.

عملياً، دفع الانهيار وإهمال التعامل الجدّي معه، شريحة أوسع من اللبنانيين نحو أعمال منخفضة القيمة والإنتاجية لتأمين البقاء على قيد الحياة. وتبعاً لذلك، اتّسع الطلب على خدمات «الديليفري» بفعل أنماط الاستهلاك السائدة، وازدهر الطلب على قطاع الحراسة الخاصة، واستعاد الفاليه باركينغ حضوره كعمل نقدي مرتبط باقتصاد الإكراميات والمواسم. ليشكّل كلّ منها نموذجاً مختلفاً لاقتصاد الأزمة، لكنه يقوم على القاعدة نفسها: توسّع في أعداد العمال غير المهرة.

في هذا الإطار، يصف الخبير الاقتصادي كمال حمدان الوضع القائم بأنّه «جزء من تعتير البلد»، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة التي أصبحت أكثر تطرّفاً حقيقة وتفسّر الوضع المتردي الذي وصلنا إليه. وبرأي الخبير والمستشار في التنمية والسياسات الاجتماعيّة ومكافحة الفقر أديب نعمة، فإنّ سبب ذلك كلّه يعود إلى غياب أي خطوات منهجية وخطط وطنية من جهة الدولة أولاً، ثم تغليب المصالح المباشرة في القطاع الخاص ثانياً.

ويشير نعمة إلى أنّ التوجه الذي ساد بعد الأزمة ذهب نحو تأمين فرصة عمل ثانية، أياً كانت، في موازاة غياب تام للتنظيم في سوق العمل: «الناس بحاجة تعمل أي شي بأي مكان». ويلفت إلى تنامي هذه الظواهر يوماً بعد يوم: «مقابل كل مطعم فلافل في 30 شركة ديليفري، ومقابل كل سائق عمومي عشرات السائقين عبر التطبيقات والمجموعات الهاتفية»، شارحاً ما يحصل بأنّه مرعب. ويؤكد أنّ ما يحصل اليوم هو «سبق» نحو الأسفل وسط «عشوائية وضعف الخطط الاقتصادية والاجتماعية».

في المحصّلة، لا يمكن قراءة توسّع أعمال التوصيل، والفاليه، والحراسة الخاصة كخيارات فردية أو نزعات مؤقّتة، بل هو ناجم عن تحوّل بنيوي في بنية قوّة العمل والوظائف حيث باتت الأعمال المنخفضة القيمة والعمالة غير المنظَّمة تشكّل القاعدة لا الاستثناء. ومع غياب أي سياسة أو رؤية اقتصادية واضحة، يترك المقبلون على العمل السوق لتعمل بمنطقها الأقسى فيتحول العمل من حق اقتصادي إلى مجرد أداة للبقاء.

الطلب على التوصيل في «توترز» نموذجاً
تعدّ «توترز» واحدة من أبرز الشركات اللبنانية الناشئة في مجال خدمات التوصيل من البقالة إلى الوجبات الجاهزة وغيرها. يتزامن توسّع الشركة مع نمو ملحوظ في أعداد عمّال التوصيل لديها.

بحسب أرقام مصدرها الشركة، كان العدد يصل إلى 2000 عامل في 2022 ثم ارتفع إلى نحو 3000 عامل في 2023، أي بزيادة 50% خلال عام واحد، قبل أن يقفز اليوم إلى نحو 5000 عامل توصيل، أي بزيادة 67% مقارنة بالسنة الماضية.

ويعمل معظم هؤلاء بنظام العمل الجزئي (Part-time) وبصيغة العمل الحر (Freelance)، ويتقاضون أجورهم على أساس الطلب الواحد. وفي موازاة هذا النمو، تسجّل إدارة «توترز» طلبات شبه يومية للتوظيف في مجال التوصيل، في مؤشر على ارتفاع الطلب على هذا النوع من الوظائف وازدياد معدل البطالة. وتشير المعطيات إلى أن نحو 90% من عمّال التوصيل هم لبنانيون وبينهم نسبة لافتة من العسكريين، إضافة إلى موظّفين في القطاع العام، وفي قطاعات أخرى انهارت قدراتهم الشرائية فلجأوا إلى مصدر دخل إضافي.

والإقبال كثيف على هذا النوع من الأعمال لأنّه لا يتطلب سوى دراجة نارية وخبرة محدودة في استعمال التطبيق لتلقي الطلبات والاستدلال على العنوان من خلال خدمة الـ«Google Maps».

ويقول أحد عمال التوصيل في «توترز»، أثناء توجهه لتقديم استقالته، إنّه «بالنسبة إلي شغل بلا فايدة وتعبه أكتر من مردوده»، في توصيف يتقاطع مع تصنيف خدمات التوصيل ضمن القطاعات المنخفضة القيمة، القائمة على عمالة غير ماهرة، والتي لا تنتج قيمة مضافة حقيقية ولا توفّر مساراً مهنياً مستداماً للعاملين فيها.

«الفاليه» مأوى العسكر
يقدّم قطاع الـ«فاليه باركينغ» نموذجاً آخر عن ازدياد الطلب على هذا النوع من الوظائف، حيث تشير إدارة شركة «VP ONE» إلى أنّ الطلب على هذا النوع من الوظائف لا ينقطع، بل يبقى مرتفعاً.

وتلفت الإدارة إلى تحسّن ملحوظ في عدد العاملين اللبنانيين داخل الشركة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيّما بعد السماح للعسكريين بالعمل في وظائف إضافية، ما أدّى إلى دخول عدد كبير من العسكريين اللبنانيين إلى هذا القطاع، بعدما كانت الشركات تعاني سابقاً من نقص في اليد العاملة اللبنانية. ويُشار إلى أنّ عدد العاملين يتبدّل بشكل مستمر نتيجة طبيعة العمل، إذ تشهد الشركات حركة دخول وخروج كثيفة للعمّال (In & Out)، مشيرة إلى وجود نحو 250 عاملاً في الشركة.

وتعدّ الأجور في هذا القطاع متدنية مقارنة بقطاعات خدماتية أخرى، مع اعتماد كبير على الإكراميات التي تختلف قيمتها بحسب الموقع الجغرافي وأداء العامل. أمّا من حيث الفئات العمرية، فيغلب على العاملين أن يكونوا في منتصف العمر، فيما تغيب الفئات العمرية الصغيرة نسبياً بسبب متطلبات الوعي والانتباه المرتبطة بالقيادة والتعامل مع المركبات، بعكس عمال التوصيل.

«حارس الأمن»: وظيفة ثانية لسد العجز
يشكّل قطاع الأمن والحراسة الخاصة نموذجاً إضافياً شاهداً على التحوّلات في بنية قوّة العمل بعد الانهيار المصرفي والنقدي، إذ لم يعد الاكتفاء بوظيفة واحدة أو وردية عمل واحدة كافياً. وبحسب إفادة أحد العاملين في هذا القطاع، بات معظم الموظفين، أياً تكن وظائفهم الأساسية، يبحثون عن عمل إضافي في الأمن لسدّ فجوة الدخل، في ظاهرة تشمل مختلف الفئات العمرية، من الشباب إلى كبار السن.

ويُلاحظ أنّ الغالبية الساحقة من العاملين في هذا المجال هم من المتقاعدين، الذين وجدوا في العمل الأمني مصدر دخل شبه إلزامي بعد تآكل معاشاتهم. ويُظهر تنظيم شركات الحراسة حجم هذا الواقع، إذ تضمّ معظم الشركات ما بين 200 و250 أو 260 موظفاً، وتتوزّع أعمالها بين بيروت وضواحيها وصيدا، إضافة إلى مراكز تشغيل في مناطق أخرى. وفي المقابل، توجد شركات أكبر يصل عدد العاملين فيها إلى نحو 600 موظف.

تعريف العمالة غير الماهرة
المقصود بالعمالة غير الماهرة أولئك الذين يؤدون مهمات لا تتطلب تدريباً متخصصاً أو تعليماً رسمياً كبيراً، بل تعتمد على مجهود بدني ومهمات يدوية روتينية ومتكررة، وتكون عادةً ذات قيمة اقتصادية أقل في هيكل الوظائف.

إلا أنّه في لبنان لم يعد ينفع هذا التصنيف، لأنّ كثراً ممن يعملون في أعمال لا تتطلب مهارة، نزحوا إليها قسراً، وذلك إبّان الانهيار المصرفي والنقدي وما تبعه من تحولات في بنية العمل. فأي موظف في القطاع العام بات بحاجة ماسة إلى أي عمل إضافي يؤمّن له دخلاً، عملاً بمبدأ «حجرة بتسند خابية». من هذا المنطلق، بات الطلب على الخدمات المنخفضة القيمة في أوجِه.

مصدرجريدة الأخبار - زينب بزي
المادة السابقةسِلَف ريّ بالملايين… رغم وجود آبار: شبح الخصخصة فوق حرج بيروت
المقالة القادمة100 مليون دولار بضائع «ترانزيت» عبر سوريا