في ظلّ التحديات المتفاقمة التي يواجهها لبنان على المستويات الزراعية والغذائية والبيئية، اتجهت الأنظار إلى تداعيات الحرب الأخيرة التي خلّفت خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنى الإنتاجية، وفاقمت هشاشة الأمن الغذائي في بلد يرزح أصلاً تحت وطأة أزمات اقتصادية ومعيشية متلاحقة. وفي هذا السياق، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع المعهد العالي للصحة العامة في جامعة القديس يوسف، جلسة نقاش بعنوان “تداعيات الحرب على الأمن الزراعي والغذائي والبيئي وتحديات التعافي في لبنان”، بحضور وزير الزراعة، الدكتور نزار هاني ونخبة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين في الشأن الزراعي والبيئي.
كلفة الحرب باهظة
سعت الجلسة إلى تسليط الضوء على الكلفة الباهظة للحرب على القطاع الزراعي، بعد أن قدّرت وزارة الزراعة المساحات المتضرّرة بأكثر من 52 ألف هكتار؛ أي ما يعادل نحو 22.5 في المئة من مجمل الأراضي الزراعية في لبنان، فيما بلغت الخسائر حتى منتصف نيسان نحو 800 مليون دولار أميركي، وسط تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد على الأمن الغذائي والبيئي ومسارات التعافي.
ووفق حديث وزير الزراعة الدكتور نزار هاني لـِ “المدن”، هناك مساع على مستوى الدولة اللبنانية تشارك فيه الوزارات المعنية مباشرة، كوزارات الزراعة والبيئة والشؤون الاجتماعية والأشغال والداخلية والتربية، إضافة إلى الجهات المعنية بالإغاثة وإدارة الكوارث ورئاسة الحكومة والجيش اللبناني والدفاع المدني”، موضحاً أنّ هذا التعاون يتمّ “تحت مظلّة المجلس الوطني للبحوث العلمية بهدف توثيق كل الأضرار بتقارير واضحة تستند إلى الأرقام والإحصاءات”.
وأشار هاني إلى أنّ الفريق اللبناني الذي تولّى المفاوضات بشأن المرحلة المقبلة كان يحمل بين يديه هذه الدراسات والأرقام، لافتاً إلى أنّ عمليات التوثيق “تتطوّر أسبوعاً بعد أسبوع”، على أن تُنشر لاحقاً بشكل واضح أمام الرأي العام اللبناني “لإظهار مخاطر الحرب وتأثيراتها”.
وأكد أنّ حجم التدمير “وصل إلى مستويات كبيرة جداً”، مضيفاً: “لدينا آلاف الشهداء وآلاف الجرحى، أمّا موضوع التربة والأراضي الزراعية فهو يشكّل أيضاً خطراً بيئياً وخطراً على القدرة الاكتفائية للمزارعين وللوزارة معاً”.
دعم مباشر للمزارعين
وكشف الوزير أنّ جزءاً من خطة الاستجابة التي تعمل عليها الوزارة يقوم على “تقديم دعم مباشر للمزارعين رغم استمرار الحرب”، موضحاً أنّ الوزارة تؤمّن مساعدات نقدية، كما عملت بالتعاون مع الجيش اللبناني على نقل المواشي وخلايا النحل والمناحل، إضافة إلى دعم الصيادين، في محاولة للحفاظ على صمود المزارعين ضمن الإمكانات المتاحة وبالتعاون مع شبكة الشراكات الزراعية في لبنان.
وحذّر هاني من “خطر وجودي يهدّد الجنوب”، معتبراً أنّ الدمار الذي طال المنازل والبنى التحتية والغابات والطبيعة والزراعة “يثير الكثير من القلق”، خصوصاً أنّ المنطقة تحتضن “تراثاً زراعياً ومحلياً مهدّداً اليوم بالاندثار”.
بين التعافي والمطالبة بتعويضات
من جهته، اعتبر مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت الدكتور ناصر ياسين في حديثه لـِ “المدن”، أنّ أهمية النقاش تكمن في “إظهار حجم الإبادة البيئية والإبادة التي يتعرّض لها القطاع الزراعي وتأثيرها على الغذاء والثقافة اللبنانية”، مشدداً على ضرورة الانطلاق من “توثيق علمي مبني على الأدلة والبراهين ومنهجيات واضحة”.
وأوضح ياسين أنّ دور المركز يتمثّل في “جمع الجهات الحكومية والجامعية والخبراء لمناقشة منهجيات التوثيق والتعاون”، معتبراً أنّ المرحلة المقبلة ترتكز على شقّين أساسيين: الأول يتعلق بالتعافي وإعادة إحياء الأراضي الزراعية المتضرّرة، والثاني بمسار “مقاضاة إسرائيل والمطالبة بالتعويضات عن الأضرار”.
وأشار إلى أنّ “ربع المناطق الزراعية في الجنوب أصبحت مدمّرة ومحروقة وغير قابلة للحياة”، ما يستدعي “تدخلات هائلة من الوزارات والجهات الدولية والأهلية لإعادة إحياء هذه الأراضي”، خصوصاً أنّ سكان هذه المناطق يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة كمصدر للعيش.
وأضاف أنّ ما جرى “ليس مجرد أثر جانبي للحرب، بل عملية ممنهجة لتدمير البنية الإيكولوجية في الجنوب ومناطق أخرى”، لافتاً إلى الحرائق والتلوث والفسفور والأسمدة الكيميائية وغيرها من العوامل التي تهدّد النظام البيئي.
الأمن الغذائي الوطني
وفي موازاة تشخيص حجم الكارثة، طُرحت خلال الجلسة ملامح الاستراتيجية الزراعية للمرحلة المقبلة، والتي تنطلق من رؤية تعتبر الزراعة محرّكاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وترتكز على ثلاثة محاور: الإنسان، الأرض، والازدهار، ضمن حوكمة وشراكات فعّالة.
ومن أبرز الأولويات المطروحة: تعزيز الأمن الغذائي الوطني وتحسين الإنتاج المحلي، بناء نظام وطني متكامل للتتبع الزراعي من المزرعة إلى الأسواق، تطوير سجلّ المزارعين ليصبح قاعدة أساسية للسياسات الزراعية والدعم، الاستثمار في البنية التحتية الزراعية الحديثة، دعم المزارعين الصغار والتعاونيات والنساء والشباب، وتعزيز الزراعة المستدامة والذكية مناخيًا.
كما شدّدت الاستراتيجية على ضرورة توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص والجامعات والمنظمات الدولية، والانتقال من منطق الاستجابة للأزمات إلى بناء قطاع زراعي منتج وقادر على الصمود والمنافسة.
وفي وقت تبدو فيه الخسائر الزراعية والبيئية مرشّحة للتفاقم مع استمرار الحرب، يبقى التحدّي الأساسي، وفق المشاركين، ليس فقط في إعادة ما تضرّر، بل في بناء قطاع زراعي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الوطني وحماية الإنسان والبيئة. فالزراعة، كما أكّد المتحدثون، “ليست قطاعاً هامشياً، بل هي الأمن الغذائي والصمود الوطني وحماية الأرض والهوية والناس”.



