سلك ملف الإنترنت غير الشرعي منذ مطلع الأسبوع الجاري، مسار محاسبة جزائية داعمة للمساءلة الإدارية، عبر إخبار تقدّم به أمام النيابة العامة المالية المحامون واصف الحركة، علي عباس وجاد طعمه، يتعلق بشبهات هدر للمال العام، ناجمة عن توسّع الشبكات المنشأة خلافًا للقوانين، والتقاعس عن استكمال الإجراءات اللازمة لتنظيم قطاع الإنترنت عبر الشبكة الأرضية الثابتة، ولوضع الشبكات المخالفة تحت إدارة الدولة واستيفاء حقوقها المالية.
يستند الإخبار إلى تقرير صدر عن الغرفة الخامسة في ديوان المحاسبة، برئاسة القاضية زينب حمود في 8 تشرين الأول الجاري، حرّك، من خلال المذكرة التي سبقته أيضًا، المياه الراكدة في أحد أكبر ملفات الهدر في لبنان.
يشكل الانترنت غير الشرعي أحد أبواب النزف الأساسية لإيرادات الخزينة العامة عبر وزارة الاتصالات. وقد قدّر ديوان المحاسبة قيمة الخسائر السنوية الناجمة عن هذا الخلل في إدارة القطاع بنحو 128.8 مليون دولار. بمقابل تجاوز عدد المشتركين خارج الشبكة الشرعية المليون، مقارنة بنحو 565 ألفًا في العام 2021، أي بزيادة تقارب 90 في المئة خلال خمس سنوات.
وفقًا لأرقام التقرير، فإن نحو تسعة من كل عشرة مشتركين في الإنترنت الأرضي هم حاليًا خارج الإطار التنظيمي للقطاع. ورغم أن المرسوم الإصلاحي 9458 الصادر في العام 2022 كان يفترض أن يشكّل بداية الحل، استغرقت وزارة الاتصالات في عهد الوزير السابق جوني القرم نحو سنة ونصف السنة لوضع أدواته التنفيذية. فلم يصدر القرار 544، الذي حدّد النماذج التشغيلية ورسومها وآليات انتقال المشتركين، إلا في 9 تشرين الأول 2023.
كان يفترض بالمرسوم والقرار 544 في المقابل أن يضعا الملف على سكة الشرعنة الكاملة، إلا أن الحركة التي سجلت لوزارة الاتصالات في عهدي وزيرين متعاقبين بقيت بلا بركة. فلم يتحوّل إلى عملية واسعة تُدخل المشتركين في السوق المنظمة، ولم تؤدِّ إلى تراجع الشبكات غير النظامية. بل توسعت السوق الموازية لتستقطب غالبية المشتركين، بالتزامن مع عجز الدولة عن تحويل بنيتها التحتية وحقوقها التنظيمية إلى إيرادات فعلية.
وهكذا أدت الإدارة السيئة الطويلة الأمد للمنظومة، وفق المعطيات الواردة في التقرير، إلى تراجع حصة الدولة السوقية من نحو نصف السوق إلى ما دون ربعها.
توسّع الشبكات غير الشرعية يعمّق خسائر الخزينة
وفقًا للأرقام التي أوردها تقرير ديوان المحاسبة، فقد اعترفت وزارة الاتصالات نفسها بنحو 2242 شبكة غير شرعية، توزّعت مصادر المعلومات عنها بين 107 شبكات أُبلغ عنها لدى وزارة الاتصالات، و285 أُحيلت إلى الوزارة عبر النيابة العامة المالية، و1850 أبلغت عنها الأجهزة الأمنية. لكن حجم المعلومات والإحالات لم يقابله استكمال للإجراءات بالسرعة والفعالية المطلوبتين. فمن أصل 50 أمر شغل أصدرته الوزارة لربط شبكات جرى ضبطها، نُفّذ أمران فقط، فيما بقيت 48 معاملة من دون تنفيذ، أي ما نسبته 96 في المئة من مجموع أوامر الأشغال.
وترافقت هذه الثغرات مع مخالفات تتصل بالفواتير والتصريحات المالية والبيانات التشغيلية. فظهرت مثلًا إشارة عدم وجود فواتير no invoice بشأن 16 مزودًا لخدمات الإنترنت. ومن بينهم شركة تُظهر جداول الوزارة أن لديها 14184 مشتركًا متصلين مباشرة بالشبكة النظامية التابعة لها من دون فواتير أو رسوم.
كذلك، لم تتوافر فواتير بعض شركات نقل المعلومات المرخصة (DSP)، وهذ ما حال، وفقًا للتقرير، دون التحقق الكامل من تطابق التصريحات المقدمة من مزودي الخدمة (ISP) وموزعيها، ومن حقيقة الروابط المعلنة ووجود روابط فعلية أو ترتيبات صورية قد تغطي عمل الشبكات غير الشرعية، فضلًا عن صحة احتساب الإيرادات والرسوم المستحقة للدولة.
من المخالفات الإدارية إلى شبهات الهدر
تكمن أهمية التقرير الأولي للديوان في المقابل، في كونه لم يكتف فقط بعرض مكامن الهدر الحاصل في القطاع، بل فصّل مراحل تعطيل الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لوضع الشبكات المخالفة تحت إدارة الدولة واستيفاء حقوقها، ولا سيما تلك المرتبطة بالمرسوم 9458، الذي لا يزال، ما لم يُعدّل أو يُلغَ، القاعدة الرسمية المتاحة لتنظيم القطاع.
وفي هذا السياق أيضًا، اعتبر إخبار المحامين الثلاثة أن “تقدير الخسائر السنوية الوارد في التقرير يشكّل عنصرًا أساسيًا لتحديد حجم الضرر الذي لحق بالمصلحة العامة، لكنه يحتاج إلى تدقيق مالي وفني يحدّد الإيرادات التي فاتت الخزينة فعلًا، والرسوم التي لم تُحصّل، والجهات التي استفادت من استمرار الوضع المخالف.”
وإنطلاقًا من هنا، جاءت المطالبة من خلال الإخبار للتوسّع في نطاق المساءلة، واضعًا أمام التحقيق مسؤوليات محتملة لا تقتصر على مشغلي الشبكات، بل تشمل أيضًا وزراء ومسؤولين وهياكل تشغيلية لم تستكمل واجباتها منذ صدور المرسوم 3260 المنظّم لحق المرور والربط، وصولًا إلى المديرية العامة للإنشاء والتجهيز، والمديرية العامة للاستثمار والصيانة، والمديريات الفنية والعملياتية في أوجيرو، والهيئة الناظمة للاتصالات.
ولم يتوقف الإخبار في هذه المطالبة عند شبهات الهدر، بل تطرق الى القرار رقم 2026/4 الصادر عن الهيئة الناظمة للاتصالات، مطالبًا بوقف تنفيذه والتحقيق في ظروف إعداده وإصداره وتنفيذه.
ينص القرار على إزالة الشبكات المنشأة خلافاً للقانون ضمن نطاق عشرة مراكز هاتفية مجهزة بشبكات الألياف الضوئية الشرعية، وملاحقة المخالفين. إلا أن هذا القرار لا يشمل عمليًا سوى نحو 35 ألف مشترك، أي 3.3 بالمئة من الكتلة غير المنظمة المقدرة بنحو مليون اشتراك غير شرعي. بينما آلية تنفيذ القرار وفقًا لمقدمي الإخبار قد تؤدي إلى نقل المشتركين وإيراداتهم المتكررة إلى مزودي خدمات من القطاع الخاص، من دون ضمان استفادة الدولة وأوجيرو وفق الأحكام القانونية النافذة. لذلك، طالب بالتحقق من طبيعة العلاقة بين الجهات المستفيدة والشبكات غير الشرعية، وما إذا كانت هناك جهات تستفيد من استمرارها أو تتولى رعايتها أو تشغيلها أو إعادة بيع خدماتها، ومدى تقاطع مصالحها مع الآلية المعتمدة.
علمًا أن وزارة الاتصالات بدت ماضية بتنفيذ هذا القرار من خلال تحويلها مضمونه الى شكوى قضائية أمام النائب العام لدى محكمة التمييز، مطالبة بتحريك دعوى الحق العام بحق المخالفين. وهو إجراء تجاهل كليًا ملاحظات ديوان المحاسبة في تقريره الأخير، ومن ضمنها عدم أخذ القرار بعين الاعتبار المرسوم التنظيمي الأساسي في مكافحة الظاهرة غير الشرعية للانترنت، وبالتالي في تأمين الخدمة المنظّمة الشرعية للمشترك بما يمنع احتكاره ويؤمن استجلاب الإيرادات الفائتة على الخزينة العامة.
الإخبار يفتح مسار المحاسبة الجزائية
قد لا يشكل إخبار المحامين الثلاثة مع ذلك المطالبة الأولى بتدخل النيابة العامة المالية في ملف الإنترنت غير الشرعي، ولكنه يشكل “بلاغًا” لمطالبة القضاء المالي بالتوسع في الإرتكابات المالية التي وثقها ديوان المحاسبة بهذا الملف الى جانب شوائبه الإدارية.
وفي حديث لـ “المدن”، شدّد المحامي جاد طعمه على أن المسار الإداري، بما قد ينتهي إليه من تحديد للمخالفات والمسؤوليات المالية، لا يكفي لإقفال الملف. والمطلوب، وفقًا لما قاله، ألّا تبقى الوقائع التي يكشفها ديوان المحاسبة في إطار رصد المخالفات، بل أن تنتقل المحاسبة إلى المستوى الجزائي إذا توافرت العناصر القانونية اللازمة. فالإخبار، كما أوضح، لا يستند إلى مجهول، بل إلى وقائع موثّقة، والمطلوب تجاوز سرد المخالفات إلى محاسبة المسؤولين عنها.
وتقتضي هذه المحاسبة، بحسب الإخبار، الحصول على الفواتير والتصريحات والبيانات المالية والتشغيلية والعقود ذات الصلة، ومقارنتها ببيانات المشتركين وسعات الربط والتوزيع والاستهلاك الفعلي، لتحديد ما إذا كانت هناك إيرادات لم يُصرّح عنها، أو رسوم لم تُحصّل، أو بيانات غير صحيحة استُخدمت لإخفاء واقع التشغيل أو التهرب من الالتزامات المالية. كما يستوجب الأمر التحقيق في الروابط المحتملة بين بعض شركات تزويد الخدمات وتوزيعها والجهات التي تجمع المشتركين أو تعيد بيع الخدمة عبر شبكات غير شرعية.
هذا في مقابل التشديد على أهمية التحقيق المالي لتحديد قيمة الإيرادات التي فاتت الخزينة والرسوم غير المحصّلة، وحجم الضرر الفعلي الذي لحق بالدولة، وصولًا إلى تحصيل الحقوق المستحقة وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته، سواء أكان موظفًا عامًا أو مسؤولًا إداريًا أو شخصًا أو جهة خاصة، وفق دوره والأدلة المتوافرة.
وبذلك، لا يقتصر التحدي على إثبات حجم انتشار الإنترنت غير الشرعي والخسائر الناجمة عنه، بل يتصل بتحديد أسباب تعطيل الإجراءات، وكشف الجهات المستفيدة، ومساءلة المسؤولين عن استمرار المخالفات. فبعد سنوات من تراكم الوقائع والتقارير، يبقى الاختبار الفعلي في الانتقال من توثيق الهدر إلى محاسبة من تثبت مسؤوليته عنه.



