وكأنّ صدمة الصواريخ التي انهالت على رؤوس سكان الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، وأجبرتهم على إخلاء منازلهم على عجل، لم تكن كافية. فما أن لملموا خوفهم وحملوا أطفالهم وغادروا على وقع أصوات الغارات العنيفة، حتى وجدوا أنفسهم أمام اختبارٍ جديد لا يقلّ قسوة: البحث عن مأوىً.
المحظوظ منهم من وجد قريباً له، يحتضنه في منطقة تُعدّ أكثر أماناً، أو بعيدة جغرافياً عن نقاط اعتاد العدوان الإسرائيلي استهدافها. أمّا آخرون، فلم يجدوا سوى سياراتهم مأوىً لليلتهم الأولى والثانية، ينتظرون بزوغ الفجر ليتنقّلوا بين سمسارٍ هنا أو أحد المعارف هناك، علّهم يعثرون على سقفٍ يحمي أطفالهم ويمنحهم شيئًا من الأمان.
في الطرقات، تحوّلت السيارات إلى مكاتب بحثٍ متنقّلة. عائلات تجول بين الأحياء، تسأل مكاتب العقارات وأصحاب المحال والبوابين عن مأوى. هواتف السماسرة لا تهدأ، رنّاتٌ متواصلة، رسائل صوتية، وصور شققٍ تُتداول بسرعة قياسية، لتُحجز أو “تطير” بمجرد تحويل المال، أو دفعه إلى الوسيط، أو الى صاحب الشقة مباشرة. كثيرٌ من أصحاب المكاتب يعتذر عن الإجابة، ويطلب من المتصلين إرسال طلباتهم عبر “الواتساب”، متضمّنة المساحة التقريبية، وعدد الأفراد، والميزانية، ومدة الإقامة المتوقّعة، والمنطقة المرغوبة إذا توفّرت لهم “رفاهية” الخيار.
“أرسلوا التفاصيل على الواتساب”، عبارة تتكرّر على مسامع الباحثين عن مأوى، فيما تبقى الأفضلية لمن يعرض أكثر أو يدفع فوراً. هذا ما أكدته إحدى السيدات التي كانت تبحث عن شقة لشقيقتها في منطقة مارتقلا – الحازمية، وعندما طلبت مهلة ساعة للمشاورة، وعادت بالجواب الإيجابي، مبدية موافقتها على استئجار الشقة بمبلغ 1600 دولار مع دفع ستة أشهر سلفاً كما طلب المالك، تفاجأت بأن الشقة أُجّرت بـ 2600 دولار في أقل من ساعة واحدة.
طلب يفوق العرض
تتفاقم الأزمة مع تقلّص العرض في المناطق التي تُعتبر أكثر أماناً. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة: أولاً، محدودية الشقق المتاحة أصلاً أمام طلبٍ هائل ومفاجئ فرضته موجة النزوح، ما خلق فجوة فوريّة بين الحاجة الفعليّة وما هو موجود في السوق. وثانياً، هو أنّ ليس كل شقة فارغة قابلة للتأجير، إذ يفضّل بعض المالكين إبقاء منازلهم مُغلقة، إمّا بدافع القلق والمخاوف الأمنية، أو تريّثاً بانتظار اتضاح المشهد، أو ترقّباً لسعرٍ أعلى في ظلّ المنافسة القائمة.
مأوىً بأيّ ثمن
هذه المعادلة، “طلبٌ مرتفع على نحوٍ غير مسبوق” مقابل “عرض محدود فعلياً”، دفعت الأسعار إلى الارتفاع تلقائياً، وفتحت في الوقت نفسه الباب، أمام من استغلّ الظرف لرفع الإيجارات إلى مستويات غير مبرّرة، مستفيداً من حاجة الناس الملحّة إلى “مأوى بأي ثمن”.
هذا ما أكدته المواطنة أم محمود، لـ”المدن” التي التقيناها داخل مكتب أحد السماسرة في منطقة البسطة، وهي تبحث عن شقة لأسرتها المؤلفة من أربعة أشخاص. تقول: “لسنا نبحث عن شقة فاخرة، نريد فقط سقفاً يحمي أولادنا. أنا نازحة من برج البراجنة. كلما سألنا عن شقة يكون السعر فوق قدرتنا. أقل من 1500 دولار لم نجد شيئاً مناسباً، وإن وجدنا يكون قد تأجّر. ها قد وجدنا أخيراً شقة مفروشة مساحتها 100 متر، وسنسدّد ثلاثة أشهر سلفاً إضافة إلى تأمين بقيمة شهر واحد، أي نحو ستة آلاف دولار”. وتشاركها سيدة أخرى المعاناة قائلة: “خرجنا من بيوتنا بلا تخطيط، ولا نملك القدرة المادية. فماذا نفعل؟ الحرب لم تكن خيارنا، لكننا ندفع ثمنها بهذه الطريقة وهذا الذلّ”.
كلمات السيدة، التي فضّلت عدم ذكر اسمها، تجسّد حال عشرات العائلات العالقة بين نارين: “خوف من القصف”، و”سوق عقارية لا ترحم”.
غرفة وحمّام بألف دولار!
يختصر المواطن علي وهو نازحٌ من حارة حريك، واقع الحال بالقول: “استأجرت غرفة صغيرة لوالدي مع حمّام بألف دولار، بدل شهرين على مساحة بالكاد تتّسع لسرير واحد، أما أنا فانتقلت الى بيت صديقي في مارالياس”.
وتشير ريما، التي نزحت مع زوجها وطفليها التوأم، من منطقة الرويس، أنّ المشكلة لا تقتصر على الغلاء فحسب، بل على الشروط التعجيزية: “فإن وجدنا شقة بسعر 1500 أو 2000 دولار، يُطلب منا شهران أو ثلاثة سلفاً، وبعضهم يشترط ستة أشهر أو حتى سنة كاملة، إضافة إلى عمولة المكتب والتأمين. من أين لعائلة نازحة أن تؤمّن كل هذا دفعة واحدة، وهي تحتاج الى كل مقوّمات العيش من مأكل وملبس، ودواء وحليب للأطفال وحفّاضات؟”
تدقيقٌ غير مسبوق ومخاوف أمنية
لا تتوقّف معاناة النازحين عند حدود الأسعار والضمانات، بل تمتدّ إلى تدقيقٍ غير مسبوق في خلفيات طالبي الاستئجار. فبعض المالكين، بدافع مخاوف أمنية، لا يكتفون بالسؤال عن عدد أفراد العائلة أو طبيعة العمل، بل يستفسرون عن المنطقة التي قدموا منها وانتماءاتهم السياسية، أو ما إذا كان أحد أفراد الأسرة مؤيداً لـ”حزب الله”. ومنهم من يطلب تقديم الطلب عبر “الواتساب” على أن يتمّ التواصل لاحقاً، من دون أي ضمانة واضحة.
وتؤكّد “غادة”، إحدى النازحات من بلدة حانين الجنوبية، لـ”المدن” أنّ صاحب الشقة سألها عن طبيعة عمل زوجها وما إذا كان “عنده أي ارتباط سياسي”، قبل أن يعتذر عن التأجير “لأسباب خاصة”. وتقول: “شعرتُ أنني مطالبة بإثبات براءتي. نحن نهرب من الخطر، ولسنا الخطر بعينه”.
ويؤيّدها “أبو هادي”، نازحٌ آخر، قائلاً إن ما يحصل يُشعرهم بالذلّ، “كأننا متّهمون سلفاً أو مسؤولون عن خيارات لم نتخذها “، مشيراً الى أنهم لم يتوقّعوا أن يواجهوا هذا القدر من الريبة بعد أن خسروا بيوتهم في الحرب السابقة، معتبراً أنّهم “تعرّضوا للغدر وعلى الجميع أن يقفوا يداً بيد للخروج من هذه المحنة”.
ويشير نازحون آخرون، أنهم تلقّوا رفضاً صريحاً من قبولهم كمستأجرين، في مناطق الحازمية، اليرزة، بعبدا، جونية، وقب الياس وغيرها، بحجة الخشية من أن يكون أحد أفراد العائلة أو ربّ البيت منتمياً إلى “حزب الله”، ما يُلحق ضررًا بالمنزل المنوي تأجيره، ما يجعل مهمة البحث عن مأوى بالنسبة لهم أكثر تعقيداً وقسوة.
لا بيوت شاغرة
برأي “مازن”، وهو أب لثلاثة أطفال، لا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار، بل تمتدّ إلى انعدام الخيارات أساساً. ويقول: “نجول من حيّ إلى آخر ولا نجد بيتاً شاغراً. وإن وُجد، يكون مفروشاً بأسعار فندقية. استأجرت شقة مفروشة في الحمرا بمئة دولار لليلة، فيما سعرها الفعلي لا يتجاوز نصف هذا المبلغ”. ثم يتساءل بقلق: “إذا طال أمد الحرب، كيف سنستمرّ؟” يختم كلماته وغصّة واضحة في صوته، فيما تمسك ابنته الصغرى بيده، كأنها تحاول أن تطمئن قلبه قبل أن يطمئنها هو.
بين شحّ الشقق وارتفاع الأسعار، والشروط التعجيزية والرفض المسبق، تحوّل البحث عن بيت إلى معركة يومية. وفي ظلّ غياب أيّ آلية طارئة تضبط الأسعار أو تمنع الاستغلال، تبدو الأزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد، وها هو النازح يدفع ثمن الحرب مرّتين: مرة حين يهرب من الخطر، ومرة حين يُواجَه بسوقٍ لا يعترف إلا بـِ “لغة العرض الأعلى” أو بـِ “الانتماء الطائفي” أو “السياسي”.



