الإيجارات غير السكنية: الدولة تتعمّد الإيقاع بين المالكين والمستأجرين

تعود أزمة الإيجارات القديمة إلى عشرات السنين من النزاع بين المالكين والمستأجرين القدامى أمام أعين الدولة، التي لم تفلح بحل أزمة الإيجارات القديمة وحسب، بل ساهمت في تعقيدها أكثر، ودخلت على خط التجاذبات بين الطرفين.

وقد بلغت أزمة الإيجارات القديمة ذروتها مؤخراً، حين ردّت الحكومة قوانين بينها قانون الإيجارات غير السكنية، مُحدثة بذلك خرقاً دستورياً وأزمة مستجدة بين المالكين والمستأجرين تُضاف إلى سلسلة تجاذباتهم على مدار سنوات.

بالحديث مع طرفي الأزمة، يتبيّن أن المالكين والمستأجرين على استعداد للتوصل إلى صيغة حل مشتركة، تحمي مصالح شاغلي العقارات وحقوق مالكيها في الوقت عينه. إلا أنه وبقليل من التدقيق بالملف، يتّضح أن السلطة التشريعية والنواب المصدقين على قانون الإيجارات غير السكنية الجديد، لم يراعوا أدنى معايير الشفافية بالأرقام والإنصاف بين الطرفين. كما لم يأخذوا بالاعتبار تغير الأوضاع الاقتصادية منذ 4 سنوات وحتى اليوم.

وفي حين يطالب المالكون بتطبيق قانون الإيجارات غير السكنية الذي أقر وتم ردّه، يقابلهم المستأجرون بالمطالبة بقانون متوازن يراعي الطرفين ويأخذ بالاعتبار المتغيرات الحاصلة بعد انفجار الأزمة النقدية منذ 4 سنوات. هي مطالب مُحقة وغير تعجيزية من قبل الطرفين، إلا أن إدارة السلطة السياسية للملف تعكس محاولات متعمّدة لدفع المالكين بوجه المستأجرين، وإلى زرع عداوة تاريخية بين الفئتين.

وبين المالكين والمستأجرين ثمة من استغل الوضع من كبار التجار ومارس ضغوطاً ولعب دوراً في تعطيل القانون بدلاً من تعديله بما يراعي الطرفين.

تذكير بالملف

قبل الدخول بأزمة الإيجارات غير السكنية، لا بد من المرور سريعاً على ملف الإيجارات القديمة برمّته منذ أعوام وحتى اليوم.

بعد سنوات على أزمة الإيجارات القديمة صدر في شهر حزيران من العام 2014 قانون جديد للايجارات بعد أكثر من 40 جلسة للجنة الإدارة والعدل برئاسة النائب الراحل روبير غانم، بهدف إقرار قانون تحرير الإيجارات السكنية. ودخل القانون حيز التنفيذ في شهر كانون الأول 2014 من ثم تم الطعن به من قبل عدد من النواب. فأبطل منه مادتين وفقرة من مادة وتم تعديل القانون.

وفي شهر شباط 2017 تم إقرار القانون معدّلاً وهو قانون برنامج. وعليه تم إقرار تحرير الإيجارات السكنية ضمن برنامج يمتد على مدى 9 سنوات لغير المستفيدين من الصندوق و12 سنة للمستفيدين من الصندوق (المخصص لدعم المستأجرين) أي الذين تقل مداخيلهم عن 5 أضعاف الحد الأدنى للأجور. فهؤلاء يتحتّم عليهم التقدّم بطلب للجنة قضائية يرأسها قاض على ان تدفع الدولة عن المستأجر الزيادات الطارئة على بدلات الإيجارات على مدى 12 سنة من الصندوق المخصص للسداد عن المستأجرين. وهو عبارة عن حساب مصرفي تدفع بموجبه وزارة المال الزيادات الطارئة عن المستأجر للمالك.

الإشكالية التي وقع فيها هذا القانون هي أن اللجان القضائية التي صدرت مراسيم تشكيلها والصندوق وضعت آليته وصدر مرسوم لإنشائه واستقبل طلبات لنحو 8 آلاف مستأجر، ولكن اللجان القضائية وعددها 24 لجنة لم تبت بالطلبات، وما لم يتم البت بالطلبات من قبل اللجان وتحديد من يستفيد من الصندوق ومن لا يستفيد، لا يمكن حل أزمة الإيجارات السكنية القديمة في الوقت الحاضر. ومنذ ذلك الحين لم يتم البت بالطلبات، وأزمة الإيجارات السكنية القديمة على حالها.

وهنا يلفت نقيب المالكين القدامى باتريك رزق الله إلى أن عدد المتقدمين بالطلبات أمام اللجان هم 8 آلاف في حين أن عدد المستأجرين القدامى بحسب ارقام وزارة المال عام 2018 هو 64 ألف مستأجر قديم بالسكني. ما يعني بحسب رزق الله أن القانون يطبق على 56 ألف مستأجر، وينتظر التطبيق على 8000 مستأجر، متسائلاً “لماذا اللجان القضائية لم تبت حتى اليوم بطلبات المستأجرين؟”

مع الإشارة إلى أن المهل سارية وقد انتهت مهلة الـ9 سنوات مع نهاية العام 2023 لغير المستفيدين من الصندوق، ويبقى هناك 3 سنوات للمستفيدين منه. وعليه من المتوقع أن تنتهي الإيجارات القديمة في العام 2026 على أن تخضع العقارات حينها إلى القانون 159/92 الذي يحرر الإيجارات ويفرض التعاقد الجديد كل 3 سنوات، على ما يقول رزق الله في حديثه إلى “المدن”.

معضلة الإيجارات غير السكنية

أما موضوع الإيجارات غير السكنية فله مسار آخر. وبالعودة إلى حكومة حسان دياب، فقد تقدمت حينها بمشروع قانون للإيجارات غير السكنية، وهو عبارة عن قانون برنامج على أربع سنوات تم التقدم به إلى مجلس النواب، وأقر في لجنة الادارة والعدل حينها، وفي لجنة المال والموازنة ثم تحول إلى الهيئة العامة على مدى 6 سنوات.

ينص القانون على اعتبار القيمة التأجيرية 8 في المئة والزيادات على 4 سنوات منها 25 في المئة بالسنة الأولى، أي 2 في المئة من قيمة المأجور و50 في المئة بالسنة الثانية و100 في المئة بالسنة الثالثة والرابعة. مع تقدير عدد العقارات غير السكنية المستأجرة قديماً بنحو 24 ألف وحدة، جميعها مؤسسات وشركات منتجة تتقاضى أرباحها بالدولار الفريش، وتدفع للمالك الفتات بالليرة، ومنه ما لا يتجاوز 10 دولارات سنوياً، بحسب تعبير رزق الله.

وإذ ينتقد رزق الله رد القانون والإجحاف اللاحق بالمالكين القدامى، يقول إن رد القانون تم بفعل ضغط من قبل لجان التجار الذين يريدون خفض نسبة الـ8 في المئة إلى 6 في المئة ورفع المدة الزمنية من 4 سنوات إلى 6 سنوات.

وحسب رزق الله، فإن رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي كان على علم بأن رد القانون سيحدث أزمة دستورية بالبلد. لذلك تحضر لجان المالكين شكوى إلى مجلس شورى الدولة “ونحن نتوقع ان يتعرض مجلس الشورى للضغوط السياسية بهذه القضية، على أمل أن يتمسك المجلس باستقلاليته. فالقرار غير دستوري” على ما يقول رزق الله، ويتابع “ميقاتي يدرك تماماً انه ارتكب مخالفة دستورية، خصوصاً أننا سمعنا من عدد من الوزراء موافقتهم وتأييدهم للقانون إلا أنهم صوتوا على ردّه في مجلس الوزراء. هذا الأمر لا يمكن أن يفسر إلا بأن قرار رد القوانين سياسي فقط. والسؤال لماذا صوتت الكتل النيابية مع قانون الإيجارات غير السكنية في الجلسة، ثم صوتت مع رد القانون في مجلس الوزراء؟ ما تفسير هذا التناقض بالمواقف؟ يسأل رزق الله؟

في المقابل، توضح المستشارة القانونية للجنة الأهلية للمستأجرين، المحامية مايا جعارة، في معرض حديثها عن سبب رفض القانون المذكور، بالرغم من مطالبتهم بوضع حد لأزمة الإيجارات القديمة، شرط إنصاف الطرفين وليس طرف على حساب آخر. وتقول جعارة في حديثها إلى “المدن” إن هناك الكثير من الملاحظات على القانون، بدءاً من أن أرقام وزارة المالية لعدد الوحدات غير السكنية المؤجرة قديماً غير دقيقة على الإطلاق “فكيف يمكن احتساب 100 ألف مستأجر وحدة غير سكنية منها 25 ألف إيجار قديم. هذه أرقام غير شفافة” على ما تقول جعارة.

ثم أن نسبة 8 في المئة كيف يمكن تطبيقها، وهي الأعلى بالعالم. وتلفت جعارة إلى أن متوسط قيمة الإيجارات في كل دول العالم أقل من قيمة احتسابه في لبنان، أي اقل من 8 في المئة المحددة بالقانون. ففي هونغ كونغ على سبيل المثال تبلغ 1.81 في المئة. في نيويورك من 2 إلى 3 في المئة. في اليابان 2.5 في المئة. في باريس تصل إلى 3 في المئة. في لندن 3 في المئة. أما في لبنان فالنسبة 8 في المئة. كيف يمكن وضع هكذا نسب سكنية ونحن ندعي تشجيع الاستثمار. وترى جعارة أن تحديد هذه النسبة للايجارات القديمة من شأنه أن ينسحب على باقي الإيجارات في البلد ومن شأنه أن يرفعها جميعها.

القانون بين المالكين والمستأجرين

قانون الإيجارات غير السكنية أعدّه وصاغه المالكون، أما النواب فوقعوه كما هو من دون درسه كما يلزم. ولم يتم الأخذ برأي المستأجرين، على ما تؤكد جعارة “لم يستمعوا إلينا كما جرت العادة. فالقانون يرصد مطالب طرف واحد ولا يراعي وضع المستأجرين. من هنا نحن نعتبره قانوناً غير متوازن ولم يأخذ بوجهة نظر المستأجرين. كما انه غيّب بشكل تام الأزمة المالية والاقتصادية التي وقعت عام 2019، ولم يأت على ذكرها كأن لم يحصل شيئاً”. فالقانون منح الكلمة الفصل للمالك.

وتطالب جعارة بقانون متوازن بالنسبة للطرفين مع التمييز بين المصالح الجديرة بالحماية، لاسيما في ظل الازمة الواقعة، وأزمة المستثمرين وأصحاب المصالح مع المصارف، التي وضعت يدها على أموالهم. ثم أين هي الضوابط الموضوعة للإيجارات في البلد؟ ألا يجب وضع ضوابط تحمي مصالح الناس؟ تسأل جعارة.

ويسأل رزق الله باسم المالكين “لماذا يستمر اليوم شاغلو العقارات القديمة من شركات ومدارس ومطاعم ومؤسسات بسداد مبالغ زهيدة جداً لأصحاب العقارات في ظل غياب القانون وتحت رعاية الحكومة؟ ويقول أن الحكومة تحاول اليوم إرضاء التجار وربما لمصادرة صلاحيات رئيس الجمهورية استغلالاً للحظة سياسية معينة.

ويتابع “هناك 84 ألف مستأجر جديد غير سكني. السؤال كيف يتمكن هؤلاء من سداد ايجاراتهم المنصفة ويحققون أرباحاً في الوقت عينه، في وقت يدعي الباقون بعدم إمكانية سداد غيجارات عادلة”؟

من جهتها، تنتقد جعارة تصوير الأمر وكأن المستأجرين غير السكني لا يدفعون على الإطلاق، إنما حقيقة الأمر أن الإيجارات كانت مقبولة جدا قبل أزمة 2019، لكنها تدهورت مع تدهور العملة. فالـ900 ألف ليرة اليوم لا قيمة لها لكنها كانت تمثل 600 دولار قبل 4 سنوات. هناك تضليل بالأرقام وبقيمة الإيجارات السابقة “هناك ظروف استثنائية لا بد من مراعاتها”.

بالمحصلة، ثمة تساؤلات حول أحقية إشغال عقارات قديمة اليوم من قبل تجار ومعامل وشركات ومدارس في مقابل رسوم زهيدة بعد انهيار العملة. مع الإشارة إلى أن من العقارات تلك أحد مصانع المشروبات الروحية بالأشرفية، الذي لا يتجاوز إيجاره الشهري 350 ألف ليرة، ومثله شركة أبو عضل للاستيراد والتصدير في الأشرفية، ومحلات وديع مراد للساعات والأقلام ومحلات ذهب والكثير من الأطباء والمحامين والمدارس والمطاعم، منها مطعم الفردوس في اهدن ومطعم Mr. Steak في سن الفيل والعديد من الفروع المصرفية.

تتفهم جعارة باسم المستأجرين مطالب المالكين بتحرير عقاراتهم، لكنها تطالب بقانون متوازن يأخذ بالاعتبار مصلحة الطرفين فقط، والعناصر المستجدة التي تؤثر على مصالح المستأجرين كما المالكين.

مصدرالمدن - عزة الحاج حسن
المادة السابقةتقليد المنتجات الأوروبية يُكلف الشركات 17.5 مليار دولار سنوياً
المقالة القادمةالأدوية متوافرة في الصيدليات… غريّب: مخزوننا الاستراتيجي يكفي ٦ أشهر