الاقتصاد غير الشرعي يُنقذ لبنان؟

 

يتساءل كثيرون كيف صمد لبنان إقتصادياً ومالياً لغاية اليوم، رغم أنّ كافة مؤشراته الاقتصادية في علم الارقام والاقتصاد تدلّ على أنّ البلد مفلس ومنهار اقتصادياً وقد وقع في الهاوية.

ما يجهله البعض أو يتجاهله، هو أنّ صمود الاقتصاد ليس صدفة او بسبب سياسات اقتصادية ومالية ناجعة، بل هناك «اقتصاد ظلّ» يوازيه يبلغ حجمه حوالى 13 مليار دولار سنوياً، أي ما نسبته حوالى 23 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي الرسمي.

في تعريف صندوق النقد الدولي، إنّ اقتصاد الظلّ المعروف بالاقتصاد الخفي، الاقتصاد النقدي والاقتصاد غير الشرعي، يشمل النشاطات الاقتصادية كافة المُمارَسة بطريقة غير شرعية بالخفي عن السلطات الرسمية لأسباب إما نقدية أو تنظيمية أو مؤسساتية.

 

ويتم احتسابُ حجم الاقتصاد غير الشرعي في البلد من خلال الأخذ في الاعتبار استعمال النقد وحجم سوق العمل ونموّ الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد.

قدّرت ورقة عمل أعدّها صندوق النقد الدولي، انّ معدل حجم الاقتصاد غير الشرعي في لبنان بلغ حوالى 31,6 في المئة سنوياً من الناتج المحلي في الفترة بين 1991 و 2015، ليحلّ لبنان في المرتبة 86 عالمياً ضمن لائحة أكبر اقتصادات غير شرعية في العالم والتي تضمّ 158 بلداً.

كما انّ اقتصاد لبنان غير الشرعي هو رابع أكبر اقتصاد في المنطقة العربية، وهو أكبر من المعدل العالمي وأكبر من حجم اقتصاد الظلّ في دول مثل تايوان وكاميرون واليمن على سبيل المثال، مع الإشارة الى انّ البلد صاحب أكبر حجم اقتصاد ظلّ في العالم هو زيمبابوي حيث يصل الى 60.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وكان حجم اقتصاد الظلّ في لبنان تراجع بين العام 1991 والعام 2010 من 36,7 في المئة من الناتج المحلي الى 24,6 في المئة في العام 2010، إلّا أنه عاود بعد ذلك استئنافَ نموّه ليصل في العام 2015 الى 29,2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لآخر تقديرات صندوق النقد الدولي.

وواصل اقتصاد الظل في لبنان نموَّه عبر السنوات وبات يبلغ حالياً 13 مليار دولار بما يوازي حوالى 23 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للباحث في المؤسسة الدولية للمعلومات محمد شمس الدين الذي قال لـ«الجمهورية» إنّ حجم التحويلات المالية الفعلي الى لبنان يبلغ حوالى 21 مليار دولار، علماً انّ الرقم الرسمي الذي يصرّح عنه مصرف لبنان يبلغ 7 الى 8 مليارات دولار يتم تحويلها عبر القنوات الرسمية، في حين انّ هناك حوالى 13 مليار دولار اضافية تدخل لبنان نقداً ولا تمرّ عبر المصارف أو مراكز تحويل الأموال، ضمنها أموال شرعية (للعاملين خارج لبنان) وأخرى غير شرعية.

واشار الى «انّ أموال «حزب الله» على سبيل المثال، لا يتم تحويلُها الى لبنان بل تأتي نقداً محمّلة من قبل أفراد معيّنين، كذلك الامر بالنسبة الى أموال تهريب الحشيشة التي تأتي بالحقائب وليس عبر التحويلات الرسمية والمقدّرة بحوالى ملياري دولار سنوياً، بالاضافة الى أموال الدعارة والمخدرات وأموال الكازينو».

ورأى شمس الدين انّ الرقم الرسمي المعلن لتحويلات المغتربين اللبنانيين والذي يبلغ حوالى 7 مليارات دولار، ليس بالرقم النهائي لأنّ هناك تحويلات اضافية لا تمرّ عبر القنوات المصرفية، وبالتالي فإنّ هذا الرقم هو فعلياً أكبر من ذلك، والدليل على ذلك انّ طائرة كوتونو التي سقط ضحيتها عدد من اللبنانيين كانت تحمل على متنها بين 300 و400 مليون دولار، وبالتالي يفضّل اللبنانيون العاملون في دول افريقيا وأميركا نقل الاموال نقداً الى لبنان. بالاضافة الى تحويلات السوريين والعمال الأجانب.

وقال شمس الدين: باعتبار حجم الاقتصاد اللبناني يبلغ 56 مليار دولار، فإنّ هناك كتلة نقدية تبلغ 21 مليار دولار ونسبتها 35 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، غير مرتبطة بالدورة الاقتصادية اللبنانية بل بعوامل خارجية غير مستقرّة. واعتبر انّ «هذه الكتلة النقدية هي السبب لعدم انهيار لبنان اقتصادياً، لأنها اموال غير رسمية لا تدخل بحسابات وأرقام الدولة، وبالتالي فإنّ كافة المؤشرات العلمية تسقط أمام هذه الوقائع».

ولفت الى انّ تقييد التحويلات غير الشرعية وضبط الامور، سيؤدي الى قطع هذه الاموال عن لبنان وتحويل مسارها نحو دول اخرى، في حين انّ الاقتصاد اللبناني بحاجة الى العملات الصعبة وهو يعتمد بشكل أساسي على التحويلات المالية الشرعية وغير الشرعية.

وشدّد «على انّ اقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الشرعي، في معظمه، هو أحد اسباب نجاح الاقتصاد اللبناني وسرّ استمراره على رغم من كلّ الأزمات. وبالتالي، انّ أيّ محاولة لتضييق الخناق على هذه التحويلات ومكافحة الاقتصاد غير الشرعي، ستؤدي الى أزمة أعمق من الأزمة الحالية».

ورأى شمس الدين «انّ هذه المعادلة تدفعنا للاستنتاج انّ لبنان بقي صامداً ليس لأنه يتمتع بأسس اقتصادية في التجارة والصناعة والزراعة بدليل أننا بلد يصدّر بقيمة 3 مليارات دولار ويستورد بقيمة 20 ملياراً».

بواسطةرنى سعرتي
مصدرجريدة الجمهورية
المادة السابقةحنكش: مُوظّفو القطاع العام ليسوا جميعهم وهميين
المقالة القادمةالصناعة تتلقّى جرعة دعم لكنّ العبرة في التنفيذ