لم تَسلَم هيئة إدارة قطاع البترول من حالة الشغور التي تعاني منها مؤسسات وإدارات الدولة، والتي وصلت بعض الفئات الوظيفية فيها إلى شغور بنسبة 90 بالمئة. والمفارقة، أنّ هيئة إدارة قطاع البترول مناط بها تسيير ملف يُفترض به أن يكون رافعة الاقتصاد اللبناني ونقلة نوعية في صورة البلاد المنتظر أن تكون من عداد الدول المنتجة للنفط والغاز. وفي المرحلة الراهنة، يشهد لبنان كتابة فصل جديد في حكاية التنقيب عن الغاز إثر توقيع اتفاقية التنقيب عن الغاز في البلوك 8، بين وزارة الطاقة وتحالف شركات توتال، إيني وقطر للطاقة، ومن المفترض أن تكون “الهيئة” في كامل استعدادها لإدارة الملف، بما فيه الاستعداد التنظيمي على المستوى الإداري.
هجرة نصف الأعضاء
تعتبر هيئة إدارة قطاع البترول مؤسسة عامة ذات طابع خاص، هدفها الرئيسي المساهمة في تحقيق أقصى قيمة اقتصادية واجتماعية ممكنة من الثروة البترولية، بالتزامن مع الحفاظ على البيئة. وتتحدّد أهدافها بـ”إعداد دراسات تسويق لمصادر البترول المحتملة في لبنان. تزويد وزارة الطاقة والمياه بنتائج التقويم لمؤهلات وقدرات شركات البترول العالمية مقدمي العروض الساعين إلى اكتساب حقوق استكشاف وإنتاج في المياه البحرية اللبنانية. الإعداد لدورات التراخيص والمواصفات والرخص والاتفاقيات المتعلقة باستكشاف وانتاج البترول في المياه البحرية اللبنانية. الإدارة والمراقبة والإشراف على جميع الأنشطة المتعلقة بالبترول، والتأكد من حسن تنفيذ التراخيص والاتفاقيات، ورفع النتائج دورياً عبر تقارير فصلية لوزير الطاقة والمياه. تقويم الخطط المتعلقة بتطوير مجال البترول، ونقل البترول، ووقف تشغيل المنشآت وإزالتها، إدارة البيانات المتعلقة بالأنشطة البترولية ومسك السجل البترولي”.
تنظيمياً، تأسست هيئة إدارة قطاع البترول في الرابع من كانون الأول 2012 بموجب المرسوم رقم 7968/2012، إنفاذاً للمادة العاشرة من القانون 132/2010. وبعد تأسيسها، عيّن مجلس الوزراء مجلس إدارة الهيئة المؤلّف من ستة أعضاء يرأس كلّ منهم وِحدة خاصة، تُعنى بمهّمة محدّدة. والأعضاء هم: وليد نصر، رئيساً لوحدة التخطيط الاستراتيجي. ناصر حطيط، رئيساً لوحدة الشؤون الفنية والهندسية. وسام شباط، رئيساً لوحدة الجيولوجيا والجيوفيزياء. كابي دعبول، رئيساً لوحدة الشؤون القانونية. وسام الذهبي، رئيساً لوحدة الشؤون الاقتصادية والمالية وعاصم أبو إبراهيم رئيساً لوحدة الجودة، الصحة، السلامة والبيئة QHSE . وتكون مدة مجلس إدارة الهيئة ست سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة. أمّا رئاسة مجلس الإدارة فتكون مداورة بين الأعضاء، ولمدة سنة واحدة وفقاً للتسلسل الأبجدي المرتكز على أسماء عائلات الأعضاء. فترأّس أبو ابراهيم مجلس الإدارة في السنة الأولى.
بعد المداروة خلال السنوات الستّ الأولى من عمر المجلس، دخل لبنان مرحلة الأزمة الاقتصادية، فتراجع سعر صرف الليرة إلى حدّ الانهيار، وخسرت رواتب موظّفي الدولة قدرتها الشرائية، فدفع ذلك الكثير من الموظّفين إلى البحث عن مصادر أخرى للدخل بالدولار. وفي معرض البحث، فضّل كثيرون من أصحاب الكفاءات العلمية، مغادرة لبنان، ومنهم 3 من أعضاء مجلس إدارة الهيئة. وبحسب مصادر متابعة للملف “قدّم كلّ من ناصر حطيط، وليد نصر، وعاصم أبو ابراهيم استقالاتهم وهاجروا خلال الأزمة الاقتصادية، كلّ في وقت مختلف”. وبذلك، بقي دعبول وشباط والذهبي في مجلس الإدارة “وترأّس كلّ واحد منهم وِحدة إضافية إلى الوحدة التي عُيِّنَ فيها في الأصل”، وفق ما تقوله المصادر لـ”المدن”. أمّا الرئاسة، فأُسنِدَت إلى “كابي دعبول بوصفه الأكبر سنّاً”.
ولملء الشغور، تشير المصادر إلى أنّ “هناكَ حديثاً عن مبادرة لتعيين أعضاء جدد، لكن لم يتمّ تحديد مدّة زمنية لإجراء ذلك”. علماً أنّ التعيين يتم بمرسوم من مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير الطاقة بوصفه وزير الوصاية.
تأثير الشغور على التنقيب
في الأصل، تحتاج الهيئة إلى اكتمال نصابها لضمان حسن تسيير عملها. وبحسب المادة 15 من نظامها الإداري “يعتبر النصاب لعقد اجتماعات مجلس إدارة الهيئة متوفراً بحضور أو تمثيل الغالبية المطلقة. وتتخذ قرارات مجلس الإدارة بالغالبية المطلقة من أعضاء الهيئة. ويعتبر صوت الرئيس مرجحاً وذلك في الحالات التي يتطلّب فيها إصدار قرار”. لكن في الواقع اللبناني، يختلف الأمر قليلاً، فغياب نصف أعضاء الهيئة “لم يؤثّر على عملها، لأسباب عديدة، منها طبيعة عمل الهيئة التي ترفع توصيات وآراء لوزير الطاقة، ويبقى الجانب الإجرائي مرتبطاً بالوزير وبمجلس الوزراء”.
وللدلالة على عدم تأثير الشغور على عمل الهيئة، تقول المصادر، إنّ “الهيئة تمسك بيدها عقوداً تتعلّق بالتنقيب عن الغاز، والملف يسير بالشكل الصحيح إن على مستوى عقود الحفر في البلوكات البحرية، وآخرها اتفاقية التنقيب في البلوك 8. بالإضافة إلى متابعة الشركات والمؤتمرات والاستفسارات المتعلّقة بهذا الملف”. وتلفت المصادر النظر إلى أنّ “كل عضو خبير في مجاله”. ورغم ذلك، لا يقتصر الأمر على قدرة الأعضاء الحاليين على تسيير أعمال المرفق العام تقنياً “فليس بالأمر الطبيعي أن يتسلم كلّ شخص وحدتين إداريّتين. وبالتالي، يجب استكمال التعيين”.
اعتاد اللبنانيون على تسيير أمورهم “كيفما اتّفق”، وهذا المبدأ معمول به من أعلى الهرم الإداري في الدولة إلى أسفله، ويتجلّى ذلك بانتظام الأمور رغم الشغور الهائل. لكن استمرار الأمر على ما هو عليه في ملفّات حسّاسة كالتنقيب عن الغاز والنفط، يؤشّر إلى التساهل في هذا الملف الذي يفترض أن يكون مغايراً في طبيعته وطريقة إدارته، لضمان حسن الاستفادة منه، لا أن يلحق بغيره من الملفات. علماً أنّ السلطة السياسية جعلت الهيئات الناظمة المؤسسة حديثاً لقطاعات الاتصالات والكهرباء، مكانة خاصة تختلف عن باقي المؤسسات والإدارات العامة، علّ التخصيص يأتي بنتائج استثنائية داخل تلك القطاعات. وهيئة إدارة قطاع البترول “يفترض أنّها هيئة ناظمة لقطاع البترول”.



